أخطبوط المناهج !

أخطبوط المناهج
955 مشاهدة

حين تتعثّر الحكمة،،، يحدث ما لا يُحمد عقباه… من أهم أسس الإصلاح والتطور والنهوض بالأمم هو (الإصلاح الثقافي)، واللبنة الأولى في الإصلاح الثقافي تكمن دون شك في (ارتقاء) جميع عناصر العملية التعليمية التعلّمية، أحد عناصرها: تطوير “المناهج” وضرورة تعديلها باستمرار لمواكبة مستجدات العصر وروحه دون المساس بثوابت الأمة وتاريخها. وهذا الارتقاء ليس مجرد “كلاشية” معلوكة للتصدير الإعلامي بل هو عملية معقدة، طويلة المدى واستراتيجية في كل المقاييس..

المناهج هي الآليات التربوية التعليمية والمضامين العلمية التي تُمنح للطلبة لتكوين شخصياتهم المتكاملة بل وتكوين شخصية الأمة والمجتمع ضمن ثقافتها وثوابتها، فالمناهج ومضمونها المعلوماتي تحدد المستقبل. ولكن المعلومات متغيرة في عصر الانفجار المعرفي ومتسارعة، ويستدعي ذلك ضرورة تجهيز العقول للتفكير وتطوير الأبعاد المختلفة في الشخصية الإنسانية؛ البُعد الروحي، البُعد السلوكي، البُعد الوطني، البُعد الأخلاقي وفق تقاليد الأمة وقيّمها حتى تنهض وترتقي.

لا تعني المناهج ما يُعطى في المدرسة والجامعة فقط على أهميتها، وإنما هناك النشاطات المرافقة للمنهاج في الفضاء الافتراضي، تلك النشاطات من المفروض أن تنسجم وتتناغم بل وتتكامل مع ما يُعطى في المدرسة والجامعة. الفضائيات والعالم الافتراضي وتطبيقاته العديدة تنشىء الفرد وتعطيه زخم من المعلومات وزخم من الأحداث التي تحدث في هذا العالم. فلا تستطيع المناهج لوحدها أن تحيط بكل المعلومات لأنها مجرد جزء من منظومة تعليمية متعددة الأبعاد لعيش الحاضر واستشراف المستقبل.

ومن البديهي أن تواكب المناهج جميع المستجدات المعرفية وتستجيب للأحداث الهامة المتسارعة وإضافة ما يُهم الأمة فيها، تضيفه كمعلومة وترفقه بالسلوكيات والمشاعر المرتبطة بتلك الأحداث وكيف يجب أن نشعر (نحن) اتجاه تلك الأحداث. من الأفضل أن نستخدم مصطلح ((تطوير المناهج)) لا تغييرها، لأن التغيير قد يكون نحو الأسوأ وقد يكون نحو الأفضل أما تطوير المناهج عملية مستمرة دائمًا نحو الأفضل. رأس المال الحقيقي في العصر الحالي هو رأس المال المعرفي، بمقدار ما تعرف تملك رأس المال ولو تفتقر للمواد الخام والموارد الطبيعية.

التعديل والتغيير والتطوير يجب أن يتناول أيضًا الأمور المتعلقة بعلم نفس النمو والأسس النفسية والاجتماعية للتعليم وطرائق التدريس الحديثة، وليس تغيير القيّم الأساسية. لم تعد المجتمعات البشرية في الوقت الحالي تهتم بالكمّ على حساب النوع في مخرجات التعليم، حريٌّ بنا الآن أن نؤكد على قيّم تثمين الوقت والإبداع والإبتكار والتفكير الخلّاق في المناهج. تغيير المناهج وتطويرها من المفروض أن يكون بطريقتنا (نحن) وبدوافع وحاجات داخلية وبآليات وطنية تجمع بين الأصالة والمعاصرة..

لا بدّ أن نعيد النظر بمعايير القبول في التخصصات الإنسانية، وما يحدث حاليًا لهو دليل على أنها لا تقل أهمية عن التخصصات العلمية بل وأكثر، فيجب إعادة النظر لمن يُقبل في كلية الشريعة على سبيل المثال فتكون للأذكياء والعباقرة ومن معدلاتهم عالية لا المتدنية، فهؤلاء سيقودون الأمة أو على الأقل سيكون لهم دورًا في قيادة الأمة. نحن مع التطوير لكن بطريقتنا الخاصة وبالتأكيد على ثوابت الأمة وبشكل لا يمس جوهر وبُنية فِكر الطلبة، فهم بحاجة إلى بناء فكر حواري وناقد مبني على ثقافة تقبّل الرأي الآخر التي تجنبهم الانخراط في التطرف والتعصب والتكفير، وتقودهم إلى اكتساب القيّم الإنسانية الجميلة وتقديس قيمة الحياة لا الرغبة في الموت، عدا ذلك ستكون المجتمعات العربية أمام أجيال مستعدة فكريًا ونفسيًا لكل أشكال الإنحراف والتطرف في الفِكر وفي الحياة..

فبدلًا من الحذف والإضافة في مادة التاريخ والدين والأدب والمسرح والشعر مثلًا، غيروا من المناهج في المواد العلمية والتكنولوجية فهي أساس التقدم و النمو، وهي التي تصنع الحضارة والرفاه الاقتصادي والتقدم العسكري وتجلب لنا الاحترام، ببساطة هي من تصنع لنا التاريخ..

التغيير والتعديل والتطوير هو ضرورة طبيعية ملحّة لمواكبة التطورات الإقليمية والدولية في مجال التربية والتعليم، إلاّ أن المعترضين يرون أن الاستجابة للتطوير والتغيير برزت كحاجة استعمارية وإملاءات غربية وليس كضرورة وطنية وهذا هو محل الخلاف.. وأجيب هنا: فليكن، ما زال دور الأسرة – مهما تقلّص – جوهريّ في التنشئة الاجتماعية وتستطيع أن تعبىء الفراغ الحاصل في المناهج حاليًا، والمؤسسة التعليمية يأتي دورها بعد الأسرة في التنشئة، كما أن المنهاج أحد عناصر العملية التعليمية وليس جميعها، يجب أن لا ننسى هنا دور المعلم/ة بتصحيح المعلومات وتزويد الطلبة بالحقائق وبما تم تغييره أو حذفه أو إسقاطه سهوًا أو قصدًا، مهما كانت المناهج متطورة أو متأخرة يبقى دور المعلم/ة محوري في تقديم المعلومة للطلبة؛ فهم كالنحل يعتاشون على رحيق الأزهار الجاهز. بالإضافة إلى مؤسسات المجتمع الأُخرى التي يستطيع الطلبة الذهاب لها في العُطل لتعلّم ما افتقرته المناهج. لا يوجد داعٍ لتضخيم ذلك الهرج والمرج على حساب مصلحة الطلبة..

وتزامنًا مع الأحداث العالمية والعربية الملتهبة الآن من الواجب أن يكون هناك نشاطات إضافية مرافقة للمناهج لنخلق لدى الجيل الجديد أدوات الوعي الحقيقي لا الزائف للتفريق بين ثقافة الممانعة وثقافة المقاومة وثقافة حب الوطن وحمايته. على الرغم أن هذه الثقافة نعتها الغرب ب”ثقافة الإرهاب”، لكنها في الحقيقة هي ثقافة الاستشهاد وثقافة المقاومة من أجل الوطن، ومن المفروض تنشئة الأجيال على مضامينها (بشكل صحيح) حتى لا يقعوا ضحايا للِفكر المتطرف أو لفِكر الاستسلام، فكلاهما سيّان: لا للأقطاب المتضادة ونعم للوسطية والاعتدال..

‎المسؤول عن الإرهاب ليس المناهج التربوية ومضامينها، إنما ما يفرّخ الإرهاب والعنف هو السياسة الاستعمارية وما نجم عنها من الظلم والقهر والنهب والقتل والدمار والتفرقة والعنصرية والطائفية وتفتيت الوطن العربي، وما نجم عن ذلك من الفقر والبطالة والجرائم والأمراض النفسية والاجتماعية وضياع الهوية وانحراف البوصلة الوطنية. هذا ما يفرّخ خلايا الإرهاب والإرهابيين وليس الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية أو قصص الأنبياء المتضمنة في المناهج، فالشريعة شريعة أخلاق والعقيدة عقيدة أخلاق أولًا وآخرًا؛؛ فكفى لتجارة الدين وتشويهه..

فذلك أدّى بنا إلى (التعرّي) وكشف عوراتنا وقادنا إلى خلع الثوب العربي، ثم خلعنا الثوب الفلسطيني (خاصرة العرب)، والآن كنتيجة حتمية لسادية الغرب وسياساته السافرة والإملاءات المغرّضة سنخلع الثوب الديني، فلم يبقٓ لنا ما يستر عوراتنا ويحمينا من الاغتصاب، وأمسينا مُستباحين داخليًا وخارجيًا..

ضمن هذه الرؤية المشوشة والمشوهة محليًا وإقليميًا وعالميًا فقد أضحى الطالب/ة في ظل التعليم المتدهور حاليًا سواء في المدارس أو الجامعات من يدفع الثمن، وأمست مصلحته آخر اهتمامات المسؤولين والمخططين وبشكل بديهي (مالكي دكاكين التعليم). فلا غروَ إذن من الظواهر الاجتماعية السلبية المنتشرة في المدارس والجامعات إذا كانت البيئة التعليمية هي نفسها الحاضنة الأكبر. عليه؛ فبدلًا من لوم الطلبة وتحميلهم أكثر من وزرهم فلقد وجب الإصلاح الحقيقي في مؤسسة التعليم أولًا وتطوير العملية التعليمية التعلّمية بجميع عناصرها وعلى رأسها المناهج، فقد تم نخرها من قِبل بعض المسؤولين لسوء نية أو سوء معرفة (لا فرق) حدّ التسوس الصريح، فغدونا تحت رحمة ومزاجية من يريدون (الظهور) والتسلّق بادّعاء التميز في الإنجازات على حساب المواطنين عمومًا والطلبة على وجه الخصوص. لو كان عملنا تراكمي لا نسفًا للسابق لارتقينا في المناهج وفي نظامنا التعليمي الذي يعتمد حاليًا على الكمّ على حساب النوع، وعلى الواجهة الاجتماعية على حساب الخلفية الموضوعية الرصينة، فقط تحت شعارات رنانة طنانة بعيدة عن الواقع..

أقول لهؤلاء (المتلونين) الذين يصفقون لقرارات المسؤولين ويدافعون عنها دون تمحيص، فقط لأجل الاحتفاظ بوظائفهم ومناصبهم والتقرب من صناع القرار، وأقول (للمغرّضين) أصحاب الأجندات الخاصة ولخفافيش الظلام، أن اتقوا الله في أبنائنا وبناتنا الطلبة جيل المستقبل، وراعوا ضمائركم بكلمة حق في أولئك المسؤولين ولا تضللوهم عن مسيرة التعليم السديد والحكمة والقرارات الصائبة. النفاق الاجتماعي قصدتموه أو ورثتموه فهو رذيلة كبرى….

لا مفرّ البتّة أن تتداعى وزارات: التربية والتعليم، والتعليم العالي (الآن) أكثر من أي وقت مضى لإعادة النظر في المناهج بصورة تُحيي آمال الأمة وآمال الشباب في نهضة الوطن ووحدته، وفي تدعيم الديمقراطية منهجًا وممارسةً إن جاز التعبير…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !