المعايير المزدوجة

المعايير المزدوجة
1٬387 مشاهدة

فخّ العقل العربي: المعايير المزدوجة،،، تعني المعايير المزدوجة (التفنّن) في صناعة الأقنعة، (والتلوّن) حين اختيارها، (والتقمّص) بعد ارتدائها. بما يحقق الرغبات والأهواء والمصالح الشخصية لحين الوصول للهدف؛؛ فيحلّل الشخص لنفسه ما يحرّمه على الغير، وما قد يكون مباحًا اليوم ربما يكون محرمًا في الغد…

أكثر ما قاله (المتنبي) الذي ضرب أشعاره بعمق في سبر أغوار النفس البشرية واقترب فيها بوصف متقمّصي المعايير المزدوجة ما يلي:- “وقد يتزيّا بالهوى غير أهله، ويستصحب الإنسان من لا يلائمه، وما انتفاع أخي الدنيا بناظره إذا استوت عنده الأنوار والظلم، ومن صَحِبَ الدنيا طويلًا تقلّبت على عينه حتى يرى صدقها كِذْبًا”…

ازدواجية المعايير من جهة، والتقهقر الفكري والانحدار الأخلاقي من جهة أُخرى في المواقف القومية والوطنية وحتى الشخصية ما هي إلاّ نظائر متشابكة، وهي المثال الصارخ والأوضح على انتهاك أبسط مبادئ العدالة الاجتماعية، لأنها تُكيل بمكيالين: مكيال ذاتي، ومكيال موضوعي يُطبّق فقط على (الآخر) بشكل انتقائي سافر. المكيال الذي ترجح له كفة الميزان دومًا هو المكيال (الذاتي)، الذي غالبًا ما يكون حصريًا نفعيًا متحيزًا وظالمًا للآخر، الأمر الذي يشكل سقوط مخزٍ وفاجع (لنظرية العقل) المتوازنة، لابتعاده كلّ البعد عن الامتثال لمعيار إنساني واضح من الواجب تطبيقه على الجميع بعدالة بغض النظر عن الجنس أو الدين أو الجنسية أو أية معايير أُخرى متناقضة مع القيّم الإنسانية والعدالة الإلهية التي تسبق العدالة الاجتماعية. المكيال الإنساني الأوحد والوحيد لتحقيق العدالة الاجتماعية وقبول الاختلاف هو (مكيال الأخلاق) و(مكيال القانون على الجميع)، سواءً على المستوى العلائقي أو الحقوقي بين المواطنين والمواطنات..

يمكن تفسير ظاهرة ازدواجية المعايير من منظور نفسي اجتماعي من خلال رصد الخلل الأساسي في (البنية المعرفية)، وهو نمط التفكير السائد القائم على (التمييز والحكم المسبق)، أي ما نحمله في أدمغتنا عن الآخر من تصور مسبق بناءً على معلومات من مصدر واحد لا جميع المصادر ذات العلاقة على الرغم أنها – أي المعلومات – تكون مضلّلة في كثير من الحالات. الأمر الذي يقود إلى ترجمة تلك الأفكار إلى ممارسات مختلّة غير صحية تضرّ بشبكة العلاقات الاجتماعية، وبالتالي خلخلة توازن المجتمع واستقراره بسبب ذلك (الاعتلال الفكري) القائم على النقل دون غربلة الفِكر. وتسود ازدواجية المعايير في مجتمعنا من خلال أمثلة كثيرة صارخة، سواءً على المستوى السياسي مرورًا بالنظام الاجتماعي الثقافي السائد لتصل إلى مستوى العلاقة بين الفرد والآخر، وعلى مستوى العلاقة بين الرجل والمرأة على وجه الخصوص. 

الكيل بمكيالين تمارسه الدول العظمى لتبسط نفوذها، وتمارسه الأنظمة لتشرعن وجودها وتضمن ديمومتها، وتمارسه المؤسسات بما يحقق مصالحها، وتمارسه الأسر بمكيال ثقافة العيب على الإناث ولا تكيله على الذكور، ويمارسه الرجل بما يخدم رغباته، وتمارسه المرأة لانتزاع حقوقها وأحيانًا ضد بنات جنسها. بحيث تبتعد قواعد الأخلاق العامة عن التصاقها بالإنسان (كإنسان) لينحصر تطبيقها على فرد دون آخر، وعلى جنس دون الآخر، وعلى دين دون آخر، والحاضر العربي الآن يرينا بجلاء فجور تلك الازدواجية والكيل بمكيالين على دولة دون أُخرى..

وللخروج من هذه الآفة النفسية الاجتماعية يكون من خلال عصف ذهني متواصل بين المثقفين (المثقف العضوي) والتربويين والأكاديميين والسياسيين (العرب)، لصياغة نموذج أخلاقي يحمل معنى الدستور الذي نعود إليه لاشتقاق السلوكيات المناسبة، وهذه ضرورة ملحّة في هذا المجتمع الانتقالي في المرحلة العربية الحالية، خصوصًا في ظل غياب المقاييس الأخلاقية الثابتة.

فحتى (الميكافيلية) التي تُكال لها التهم باعتبارها تنطلق من قاعدة “الغاية تبرر الوسيلة”، فإنها لا تُستخدم إلاّ على المستوى الذي يخدم الطموحات الوطنية العامة، وليس طموح الفرد أو الجماعة أو الحزب، بل ما يحقق استقرار الوطن (الخاص والعام) والمصالح العليا للشعب. فهذا هو المعيار الحقيقي على مستوى العقل الجمعي وعلى مستوى الضمير الجمعي، الذي تلاشى مقابل تنامي (الوعي الزائف) والمكيال الذاتي المفرط..

المشهد العربي في الوقت الحاضر بأمسّ الحاجة لتطبيق مبدأ ثبات المعايير والابتعاد عن الازدواجية سواءً على مستوى الدولة أو الأسرة أو الفرد. فما شهدناه خلال السنوات القليلة الماضية يشي بجملة فكرية خطيرة ومرعبة مفادها: “كونك حاكمٌ الآن لا يمنحك المناعة أن لا تكون سجين الغد”، وكونك قويٌّ الآن لا يمنعك من السقوط في الغد، وكونك حيٌّ يرزق الآن لن يحصّنك من الموت بغتةً في الغد”..
عظةٌ نتمنّى أن يعيها ذوو الألباب لتجنّب الوقوع في الفخّ…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !