الثلج الفيسبوكي

الثلج الفيسبوكي
994 مشاهدة

اعتدنا في وطننا العربي الكبير أن نعتمد النقطة المعلمية الثابتة على الخط الزمني في تاريخ العروبة وهي (قبل النكبة وبعدها، قبل النكسة وبعدها)، وقبل عدة سنوات أُضيفت نقطة معلمية (مأساوية) أُخرى في الخط الزمني التاريخي وهي (قبل الربيع العربي وبعده)، والله أعلم بإمكانية وجود نقاط معلمية مصائبية أُخرى في مستقبل وطننا العربي الكبير لا قدّر الله..

اعتقد أننا هنا في الأردن بحاجة إلى التميّز قليلًا ليس فقط في خط العروبة التاريخي على مدى طولي بل على مستوى عالمي أيضًا، ونُضيف الآن نقطة معلمية هامة على الخط الزمني والوطني في طريقها إلى الثبات النسبي وأضحت تُهدد حياتنا واستقرارنا وأحيانًا أمننا ألا وهي (قبل الثلجة وبعد الثلجة). ليس من باب التفاخر أبدًا بل حقًا من باب العجز أمام الاعتياد المُلفت للنظر على المصائب الكثيرة جدًا والمتكررة بشكل هزلي بعد أن كان مأساوي، إلى حدّ أفرغ الواقع الفعلي من أحداث وطنية إيجابية هامة مُدعاة للتفاخر والمباهاة…

كل الشكر والاحترام للسيد (مارك زوكربيرغ) على اختراعه الفيسبوكي الذي نقلنا من مراسم الاحتفال بالزائر الأبيض من العالم الواقعي إلى العالم الافتراضي، هذا الزائر المحترم جدًا الذي يُعوضنا عن غياب العدالة الاجتماعية بعدالة زيّه الأبيض الموحّد للجميع، ولونه الرفاهي المسرف في الأناقة، والذي يُذكِرنا بعدالة الخالق وإبداعاته في اللوحات الفنية الطبيعية لذلك الزائر النظيف جدًا الذي يتعكر صفاء لونه ويتلوث بياضه منذ أن يطأ أرض الحرب والكوارث من الإنسان ضد الإنسان.

ثلج بهذه المواصفات الفاخرة شوهناه بطبيعة بشرية شرسة للغاية، فنقلناه من السلمية إلى صورة هي الأصعب على الوجدان البشري تُكافىء صورة الحرب وإعلان الطوارىء. فبدلًا من كسره لروتينية البقاء باستثنائية النقاء تحول إلى الشقاء وجُحدت نِعَمْ الخالق في تواتر العطاء. لم يقتصر هذا التشويه على أرض الواقع الفعلي بل انتقل أيضًا إلى الواقع الافتراضي الفيسبوكي، فزاد الضجيج والتلوث والاستعراض السمعي والبصري في ذات الوقت، مما يشحن نسبة التوتر والقلق والاكتئاب أضعافًا مضاعفة حدّ الاحتقان واقعيًا وافتراضيًا على حدّ سواء..

من المعتاد عند الإعلان عن منخفض جوي قادم سواء مصحوبًا بثلوج أم لا أن نرى طوابير المخابز والسوبر ماركت وغيرها من احتياجات الأكل والشرب وكأننا في مجاعة أو حالة حرب لا سمح الله، على الرغم أن أطول ثلجة ينتج عنها إيقاف الحياة وشلّها تمامًا لا تتعدى ثلاثة أيام على الأكثر. كنا نشهد ذلك واقعيًا عندما نضطر إلى التسوق في تلك الأوقات، أما الآن أصبحنا نرى كل ذلك صوت وصورة على الفيس بوك. ناهيك عن النشر المتواصل لبوستات الطقوس الغذائية وتوابعها ونظام التسمين المُتّبع أثناء العاصفة الثلجية دون أدنى اعتبار إلى حالة العوز والفقر التي تُعاني منها شريحة السواد الأعظم في وطننا في ظل ظروف الغلاء الراهنة.

هناك مشهدان على صفحات الفيس بوك في قمة التناقض، مشهد الفرح في الثلج خلف النوافذ المدفأة جدًا أو اللباس المُكدس والنزول للعب بالثلج تصل حدّ كسر الحواجز بين الناس، قناعة مقنّعة من البعض بأن حالة الثلج تُبيح لهم المحظورات ومُبرّر للتخلي عن مبادىء اللباقة والأدب في تصنيع (القنابل الثلجية) ورميها على الآخرين غير مُكترثين إن كسرت أنفًا أو رأسًا أو شباكًا أو حتى سيارة، مما ينجم عنها مشاكل بين الناس تُنهي اللعبة والفرح بالثلج إلى مأساة، وفي أفضل الحالات صُنع رجل الثلج بأشكال مختلفة قد تكون فُكاهية أحيانًا والتصور معه (سيلفي) ونشرها أول بأول على كافة وسائل التواصل والفيس بوك أشهرها.

أما المشهد الآخر فهو أكثر مأساوية؛ لأناس يتضرعون إلى الله بانتهاء العاصفة الثلجية بأسرع وقت نظرًا لقلة الحيلة بضمان وسائل تدفئة مناسبة بمتناول أيديهم وضمان تغذية كافية للأُسرة. وفي كلتا الحالتين يكون الضجر والملل سيد الموقف، الأمر الذي يُؤدي إلى التفشيش من قِبل الأقوى في الأُسرة بالأضعف، وهنا تحدث الكارثة إما بجريمة قتل أو الضرب والصراخ على أقل تقدير.

طبعًا جميع تلك المشاهد هي بث حي ومباشر على الفيس بوك وعلى مرآى من الجميع، فلم نعد بحاجة إلى مشاهدة التلفزيون الرسمي لمعرفة آخر التطورات على العاصفة الثلجية وحركة الطرق في جميع المحافظات لأن (الشير) سهلت لنا الحصول على المعلومة دون البحث عنها، لأنها تنزل أول بأول على (النيو فيد)، قد يكون ذلك مؤشرًا إيجابيًا وقد يكون محبطًا في آن واحد.

من المؤشرات الإيجابية في الوقت الراهن في تلك الظروف (الطارئة) المبادرة الشبابية لفريق الدفع الرباعي لمساعدة الناس المقطوعين أو في الأزمات وهنا تظهر فائدة الإعلان عن أرقام الهواتف من خلال الفيس بوك. تلك المبادرة قد تُغطي على رعونة البعض في ممارسة التخميس والتشحيط في الثلج واستعراض الحركات البهلوانية التي قد تُزهق الأرواح في بعض الأحيان أو قد تُؤدي إلى خسائر مادية وإصابات بشرية على أقل تقدير. طبعًا هذا كله يكون منشور ببثّ حي ومباشر على الفيس بوك وينتهي الأمر للأسف الشديد (بالتقليد) والتنافس الأرعن على عدد المنشورات والصور للحركات المتهورة في الثلج بغض النظر عن بشاعة الموقف وخطورته..

أما أكثر المواقف إيلامًا وإزعاجًا أثناء الثلج أو حتى عند الإعلان عن قدومه هو شلل الحياة بالكامل وعدم الرغبة بالعمل والاكتفاء بالأكل والتسمّر أمام الفيس بوك، فلم يعد هناك داعٍ أصلًا لمشاهدة مسرحية (العيال كبرت أو مدرسة المشاغبين) التي ارتبطت بأذهاننا في الثلج، لأن العالم الافتراضي أكثر تسلية ويبثّ الحدث بشكل مباشر وأسرع في الحصول على المعلومة.

المُلفت للنظر حاليًا نغاشة وخفة دم الشعب الأردني عند أي حدث هام، فما رأيناه من نكات صورية أو مكتوبة على الفيس بوك في الأيام الماضية لدرجة ترى نفس النكتة أو الصورة مئات المرات من كثرة الشير، فذلك يشي بقدرة الشعب الأردني على تغليف الإحباط بروح الدعابة، وهذا مؤشر إيجابي نسبيًا ولكن ليس على المدى البعيد. لأن الدراسات النفسية والاجتماعية تُشير أن التعبير أثناء الأزمات بالضحك والنكات والمنشورات الهزلية هو مؤشر خطر، فقد يتحول الإحباط وقلة الحيلة إزائه إلى عنف فيما بعد. اعتقد هنا ولست أجزم أن كثرة حالات الجرائم والانتحار مؤخرًا تنذرنا بخطورة الغلاف الفكاهي (المؤقت) لحالة الإحباط المتراكمة على الفيس بوك وغيره..

الارتباطات السلوكية في الأردن مع الثلج سواء من الجهات الرسمية من حيث الجاهزية والاستعداد وهزالة البُنى التحتية أو من قِبل المواطنين، جعلت من ذلك (الزائر الأبيض) الراقي عدوًا لا صديقًا، منبوذًا لا مرغوبًا، نشتاقه ولا نتحسر غيابه. فقد حولنا هدوئه إلى فوضى، وبياضه إلى سواد، سلميته إلى طوارىء، ووقاره إلى رعونة، وعطائه إلى كُلفة باهظة ماليًا وبشريًا، وحولنا ستره إلى كشف عيوبنا وهشاشة بُنيتنا النفسية واللوجستية. فربما قلة الإنجاز وندرة التجارب الناجحة وإحباطات الوطن المتتالية تدفعنا إلى تمنّي الثلج الواقعي والفيسبوكي لملىء فراغ حالة الوهن التي نعيشها، فيغدو الثلج نقطة معلمية شبه ثابتة في الأحداث الوطنية.

ندعو الله متضرعين للخروج من حالة (السبات العقلي الاختياري) التي وضعنا أنفسنا بها أو ربما فُرضت علينا واستسهلناها جدًا، وأن تنقلنا زيارات الزائر الأبيض الشحيحة من حالة تكديس الأطعمة في الخزائن والمعدة إلى حالة نملأ بها خط عمرنا الزمني والوطني والعروبي بإنجازات أكثر قيمة وأهمية في الواقع الفعلي لا الافتراضي الفيسبوكي فقط…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !