مش ناقصنا قلق!

مش ناقصنا قلق!
1٬228 مشاهدة

استهجنت كما استهجن الكثير غيري التضخيم المشكوك في براءته على حفل (القلق) الذي حمِل ذات الاسم، وأسفرت نتائجه بالكثير الكثير مِنه للأسف الشديد، وكأنّه ناقصنا قلق يُضاف إلى جميع أنواع القلق الوجودي والمُجتمعي والسياسي والاقتصادي والأخلاقي الذي نُعاني مِنه حاليًا، أما القلق الناجم عن “الضريبة الجديدة” فهو حكاية بحدّ ذاته، وهي مصنع القلق ومنبعه كذلك..

لست هنا لأُدافع عن حفل قلق وغيره من الحفلات المُبتذلة التي تحدث ليلًا ونهارًا وربما جهارًا كذلك عندنا، نعم تحدث في مُجتمعنا، ولا أبالغ هنا البتّة، لأننا نحن المُختصّون الذين نرى ما يحدث في المُجتمع حقيقةً، وذلك من خلال الحالات التي نراها يوميًا، وهي عيّنة تعكس ما يحدث في المُجتمع من ظواهر مرضيّة مُخيفة لا نعلم أين ستقودنا، ولا نعلم كذلك على وين الدرب مودّينا بسبب الفساد المُستشري دون رادع.

قبل أن نُهاجم حدثًا ما أو ظاهرة غريبة عن مُجتمعنا دعونا نبحث ونستفسر أولًا عن أسبابها، حتى نستطيع مُعالجتها جذريًا ونضمن الوقاية مِنها مُستقبلًا.

ماذا تتوقعون يا كِرام بعد أن غزت البرامج الدولية مدارسنا وجامعاتنا ومناهجنا دون جاهزية كافية لها؟؟ وماذا تتوقعون أيضًا بعد أن أصبحت اللغة العربية هي لُغة ثانية بعد اللغة الإنجليزية في مناهجنا وهي لُغة الجيل الحديث في البيت والشارع ويفخر الأهل بذلك على حساب إتقان لُغتنا الأم؟؟ ماذا تتوقّعون من هذا الجيل الذي وعيّ على هزائم العرب وفساد مؤسسات دولته وازدواجية المعايير في أُسرته ومُجتمعه؟؟ ماذا تتوقّعون من جيل يتعاطى الحشيش والمُخدّرات وحبوب الهلوسة على عينك يا تاجر؟؟ ماذا تتوقّعون من القيّم التي سيفرزها الزواج المُبكّر أو المُرتّب أو المبني على المصالح لتربية الجيل الجديد؟؟ ومِثل تلك التساؤلات هناك في الجُعبة الكثير مِنها ولكن اكتفِ بما سبق.

تاريخ العرب الحديث المُخزي المُتزامن مع تطوّر الغرب خلق لدينا (هويّة مُهجّنة)، فلا هي غربية ولا هي شرقية، ولا هي أصيلة ولا هي دخيلة، ولا هي قديمة ولا هي حديثة؛ وإنّما هي خليطة بشكل مُرهق، فأمسى الجيل الجديد غربيّ المظهر وشرقيّ الجوهر دون ملامح عربية واضحة، ودون رقابة صارمة، ودون دولة قانون ومؤسسات تحتضنه وتُطوّر فيه القيّم العربية الأصيلة والجميلة وتُنمّي فيه الوطنية الحقّة للأسف الشديد.

ما حدث في نهاية ذلك الحفل “حديث المُجتمع الحالي” – إن صدقت الرواية – يتحمّل وزره الجميع دون استثناء؛ مع العِلم أن ما حدث هناك من تحرّش وابتذال يحدث دومًا في مُجتمعنا، ومِثل تلك الحفلات تحدث أيضًا سواء خاصة في البيوت أم عامة في المطاعم والقهاوي وغيرها، فما هو الجديد في هذا الحفل إذًا ؟؟ ولماذا هذه الضجة الخبيثة ؟؟ أهي محاولة جديدة “لإلهاء” الشعب إن صحّ التخمين ؟

اعتقد أن إثارة الرأي العام في هذا الوقت على وجه الخصوص هي محاولة أُخرى مُغرضة (للتذاكي) القصد منه تغييب الشعب عمّا يحدث لا أكثر..

وبدلًا من القلق من حفلة “قلق” من المفروض أن نقلق ممّا هو أخطر، ونُعالج السبب الذي يجذب هذا الجيل لمِثل تلك الحفلات وغيرها من الظواهر الغريبة عن مُجتمعنا وقيّمنا وأعرافنا، والعمل جديًا على الوقاية منها، ابتداءً من الأهل ثم النظام التعليمي ومؤسسات المُجتمع المُختلفة؛ فالحل هو تشاركي بين الجميع.

فلا يجوز الاكتفاء بالشجب والاستنكار والندب والانتقاد، ولنبدأ بالحلول بأنفسنا وأولادنا أولًا، فهُم بحاجة إلى (نماذج) لا إلى (نصائح)؛ فالأولى من السهل عليهم اتّباعها بالتقليد والمُحاكاة، أما الثانية من الصعب عليهم تطبيقها إن كان النموذج المُقتدى به مُعاكس للنصيحة المُقدمّة مِنه..

وفي الخِتام أقول لمُثيري الفتن جميعها: مش ناقصنا “قلق”، وتعب المشوار…
ولهذه القصة حديثٌ آخر وبقية.. دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !