أنا فلسطيني فأنا مقهور

الفلسطيني - أنا فلسطيني فأنا مقهور
2٬374 مشاهدة

كنت أقول دومًا أنا “عربي” فأنا مخنوق أو مقهور، لا فرق، ولكن بعد إعلان (صفقة العار) من جميع “القرون” التي شاركوا في صفعنا بتلك الجريمة، أمسى المتضرّر الأول والأخير منذ النكبة إلى الآن هو (الفلسطيني) الشهيد والحيّ على حدّ سواء، حيث وأدوا حلمه وحلم أولاده وأحفاده في حقّ العودة، ولم تَعُد (مفاتيح) بيته التي ورثها وورّثها من جيل إلى جيل تصلح للأبواب الحالية؛ لأنها أوصدت في وجهه بصفقة مهينة مرة واحدة وللأبد..

وهذا لا يعني أن العرب، على مستوى (الشعوب) أقصد بالطبع، غير مخنوقين أو مقهورين وربما مسحوقين أيضًا مما حدث ويحدث، ولكن الخسارة الأكبر هي للفلسطيني: الشهيد والثائر واللاّجىء والمهجّر وابن المخيم، أولئك الذين تحملوا ضنك الحياة وكدرها وبناتها على أمل العودة، فأصبحت قضيته هي “التجارة” الوحيدة الرائجة منذ نكبته إلى الآن، فتم سحقه وطحنه حتى بات “مقهورًا” جدًا وجدًا.
وعلى الرغم أن كل من السوري واللبناني والعراقي واليمني والليبي والأردني والمصري مقهورين أيضًا، إلاّ أن الفلسطيني من شعر بالقهر الموجع على مدار سبعة عقود ونيف متلاحقة، فبقي رازخًا تحت مطرقة الاحتلال الغاصب الجانح الحاقد، وسندان الهوان العربي، ومن يهن يسهل الهوان عليه، ويا للعار..

وإن عدنا للوراء قليلًا وتذكرنا ما هجس به “أحمد شوقي” في قصيدته الشهيرة عن دمشق بهذا الشطر الذي نكرّره عن ظهر قلب دون إدراك عمقه: ” كلّنا في الهمّ شرقُ”، كان يصف الهمّ العربي آنذاك، ولم يدرك حينها أن ذلك الهمّ ربما يتمدّد في صيرورة قبيحة لينال من الوطن العربي جميعه، كما هو حال العرب وما آل إليه مصيرهم اليوم في هذا العصر، عصر العار الذي وصم العرب جميعًا دون استثناء؛ لأنهم قدّموا (فلسطين وقدسها) على طبق من ذهب للمحتلّ اللعين سيء الذكر والصيت..

فلم يعد (الاحتلال الغاشم) هو أقسى هموم العرب كما كان سابقًا، بل امتدّ الهمّ العربي وتمدّد الآن بسبب شرذمتهم وفرقتهم وتناحرهم داخليًا وخارجيًا على حدّ سواء، فكلٌ يغنّي على ليلاه (والعدوّ) على ليله غنّى وما زال يغنّي..

قديمًا، وهيهات على ذلك الزمن، وحّد وجود (العدو المحتل) أمتنا العربية، وعشنا جميعًا المشاعر الوطنية والقومية والمشاعر الوجدانية ذاتها، أما اليوم فقد غرق كل قطر عربي بهمومه الداخلية المتفاقمة، التي فاقت خطورتها خطورة تمدّد العدوّ نفسه؛ فأصبح ما “يفرّق” الأمة العربية أكثر بكثير مما “يجمعها” في الوقت الراهن.
ولم تعد الجماهير العربية تخرج في مواكب الاحتجاجات ضد أي عدوان على أي قطر عربي شقيق كما كان يحدث في الماضي، حتى وإن أصاب العدوان الغاشم قلب (القدس العربية) وسلبها من العرب كلّ العرب، ولم تعد الشعوب العربية تناضل سوى (النضال الإلكتروني) على جميع وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبحت ردود فعلها مثل حكامها، فلا تتعدّى ثورتها سوى “تغريدات” و”بوستات” الشجب والاستنكار والحداد الافتراضي، فأمست الجيوش العربية افتراضية في المواقع، ولا حسّ ولا خبر لها في الواقع سوى قمع أبناء الوطن الثائرون على الظلم والذلّ للأسف الشديد، كما أضحى “الحلم العربي” أكبر من مقاسنا كثيرًا بسبب سيادة (الصغار) جدًا..

ماذا بقي للعرب من كرامة بعد أن سُحقت خاصرتهم “فلسطين” وسُرقت منهم في وضح النهار، وبدم بارد في صفقة مشبوهة، تم عزفها على أوتار نغمة نشاز اعتمدت على “الحرب النفسية” بجدارة منذ زمن بعيد، من خلال “التمهيد النفسي” للشعوب العربية، الذي اعتمد على تسخير الماكنة الإعلامية وأدواتها العفنة في (التكرار) والتسريبات، إلى أن يحين وقت التبجّح بها على الملأ دون أدنى اكتراث؛ لأنهم ببساطة مدركين تمامًا عدم وجود أيّ ردات فعل عربية تستحقّ أن يُحسب لها أيّ حساب، لا على مستوى رسمي ولا حتى شعبي، إلى أن جاءت الخطوة الأخيرة بإعلانها رسميًا من “القرون“، أعرفتم الآن لماذا نقول (أنا فلسطيني فأنا مقهور)؟!
لأنه تمّ بيعه وبيع وطنه في “سوق النخاسة العربي” بثمن بخس، كبخس كل مجرم شارك في صفقة العار التي صفعت الكلّ بذات الدرجة، والخسارة واحدة سيدفعها الجميع، وإن كان ثمن ما دفعه الفلسطيني أكبر، لذلك هو الأكثر “قهرًا” وخنقًا وحنقًا من كل الشعوب العربية..

الحيرة والحسرة والإحباط جلّ ما يتلبسه العربي في هذه الأيام الحرجة والمثيرة جدًا، فخلقت لديه حالة من “الاختلال النفسي”، أفقدته القدرة على التفكير الصحيح، وحرفت بوصلته عن (العدوّ الحقيقي)، وضلّ طريقه عن الاتجاه السليم..

مشهد عربي بائس جدًا مليء بتساؤلات (كيف) المشروعة حاليًا، عن سبب (قهره) وخنقته وخوفه وتشاؤمه ومشاعره السلبية الموصوفة هنا أعلاه.
بات اليوم شعور الإنسان العربي وشعاره بشكل عام، و الفلسطيني بشكل خاص: ((أنا عربي فأنا مقهور))، غدت العروبة وصمة عار مشينة بعد أن كانت وسامًا مدعاة للفخر والاعتزاز.. ويا وجعي عليك يا وطني وعزائي الحارّ لكِ يا عروبة..

أختم بأحمد شوقي كما بدأت عندما قال “لستَ أمام عيني لكنك كل ما أرى”.. عن الوطن هو تحدث،، وعن (فلسطين) هنا أتحدث، فكلّنا في الهمّ شرقُ، هذا الشرق الحالي الذي لم يحتفظ سوى بحرفين فقط من اسمه (شرّ)، شرٌ صنعه الأعداء بنا، وشرٌ صنعناه نحن بأيدينا، ومارسناه في العراء دون خجل أو حتى حياء، لا من تاريخنا العربي المخزي ولا من الذلّ العربي الذي سنورثه للأجيال القادمة، أما (القاف) تشي الآن بِ (القسمة) بعد أن كانت تُشير إلى (القوة).

والوضع العربي الراهن يرينا ذلك المشهد الخليع بجلاء ووقاحة..

ومن أجل فلسطين العروبة سيبقى قلمنا ينبض دومًا بألمها، وسيكون لنا من هذا الحديث بقايا كثيرة لا بقية واحدة فقط… دمتم….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !