النماذج الجندرية الحاليّة

النماذج الجندرية الحاليّة
458 مشاهدة

الواقع المجتمعي العربي الحالي الذي يحاول (التجمّل) في الابتعاد عن النموذجين الجندريّين المتصارعين، وعن ازدواجية المعايير الموجودة في النموذجين الأوحدَيْن السائدين في المجتمع العربي، والمذكورين هنا أدناه خوفًا من وصمه بِ (التخلّف) ما زال يتبنّى روح هذا التقسيم علنًا أم سرًّا لا فرق. 

نموذجان لا ثالث لهما على أرض الواقع، والنموذج الثالث المثالي الذي نحلم بإيجاده في العصر الحديث ما زال حُلُمًا، ولم يتجاوز بعد الحبر على الورق..

النموذج الأول المتفشّي في هذا العصر هو “النموذج الذكوري”، ذلك الذي يُعزّز استقلالية المرأة خارج المنزل بهدف (براغماتي) نفعي بحت؛ بسبب أهمية عملها حاليًا، وضرورة مشاركتها له اقتصاديًا، وتحمّلها جانب من المسؤولية العملية والمالية، وهو نفسه الذي يُصرّ على أدوارها التقليدية داخل المنزل، وعدم مشاركتها إيّاها أو أيٍّ من قراراته، حتى وإن كانت مُجحفة في حقّها. 

فهذا النموذج الأول يحرم المرأة حتى من حقوق نمطيّتها التقليدية، بل ويُضيف عليها أعباءً جديدة غير مقدّرة، ويفرض عليها (حرية انتقائية) وغير مفعّلة في الوقت ذاته، اللّهمّ إلاّ إن كانت في إطار النفعية الذكورية فقط.

وهذا النموذج الذكوري الذي اعترف على مضض تحت ضغوط مختلفة باستقلالية المرأة العامّة، يحاول نتيجةً لذلك الانتقام لذكورته باستخدام رخصه الاجتماعية المختلفة، كأن يبحث بشكل سرّي عن علاقة بالخفاء وتحت الأرض تحقّق له الحنين لنمطيّته المقموعة وتُعيد له الثقة في ذكورته، وفي حالات كثيرة يقوم بذلك بأموال امرأته للأسف الشديد، وقد يُمارس سلطته عليها تحت بند (إمّا، أو)، وإن لم تمتثل لإمّا – وغالبًا ما ترضخ -، تصبح “الأو” شرعية جدًا، كأن يهدّدها بالطلاق، أو الزواج عليها، أو حرمانها من عملها أو أهلها، وربما التهديد بممارسة العنف، وقائمة الرخص الاجتماعية الذكورية ذات الطابع المُشرعن والمقبول مجتمعيًا تطول وتطول..

وهذا النموذج الذكوري يتشبّث بعنف توصيفه الذكوري التقليدي خوفًا من فقدانه “القسري”، لذلك تظهر حالة المغالاة عند كثيرٍ من الذكور للمطالبة بأوصاف أنثوية تقليدية قد عافها الزمن نفسه قبل أن يعافها المجتمع، وما أن يفشل الطرف الأنثوي بتلبية توقعاته المحفورة في عقله الذكوري – وغالبًا هذا المتوقّع – وما يحدث غالبًا، يبدأ بممارسة طيف (العنف) بكافة أشكاله عليها، فهو يركنه كسلاح جاهز لاستخدامه عند اللزوم..

أمّا النموذج الثاني المتفشّي فهو “النموذج الأنثوي” الذي يتخلّى عن التنميط الأنثوي بالكامل كردّة فعل على النموذج الذكوري أعلاه، مما يضطرّها إلى “تقمّص” النموذج الذكوري جملةً وتفصيلاً. 

فتنحاز المرأة في هذا النموذج نفسيًا لاختيار رجل قد تقمّص بالمقابل نمطيّتها الأنثوية كنوع من التكامل (المأزوم)، فيفشل كلاهما بسبب وجود الصراع بين بيولوجيتهما الحقيقية وجندرهما الاجتماعي، وإن بدا هذا النموذج في حالة من التأقلم الظاهري المزعوم، إلاّ أنّ كلّ منهما يشدّه التاريخ والثقافة السائدة من جهة، والبيولوجيا من جهة أخرى نحو أصولهما الجندرية الحقيقية، الأمر الذي يسبّب لهما أزمات نفسية مجهولة السبب لهما، ولا يمكن إدراكها إلاّ عند تأزّم الحالة النفسية أو تدهور العلاقات الاجتماعية. 

هذا النموذج يشكّل حالة من قلب الأدوار الدراماتيكية من شأنها أن توصلهما إلى نهايات دراماتيكية أيضًا، وتكون جانحة عن الصحة النفسية والاجتماعية، وربما تؤدّي إلى انقلابات داخلية يصبح من الصعب التكهّن بها..

أما النموذج الهامّ غير المتفشّي للأسف الشديد والمفقود رغم أهميته وحاجة المجتمع له، هو النموذج (المتوازن) المبني على الذكاء الجندري، فيحضر التوازن في هذا النموذج؛ لأنه يضمّ رجل يميل إلى التنميط الذكوري “المعقول” دون وحشيّة أو استعباد، ودون انتقاص من ذكورته أو أنوثة حوّاه، وبالمقابل، يضمّ هذا النموذج امرأة تميل إلى التنميط الأنثوي التقليدي بثقة ودون خضوع أو تقليل من قيم الأنوثة وطاقتها.

هذا النموذج الذي نحاول إيجاده في عملنا يخلق علاقة رائعة بين الجنسين عمادها الرحمة والمودّة، ويخلق التفاهم بينهما في كلّ المواقع لا في العلاقة الخاصة بينهما فحسب، وتكون المعادلة بينهما في هذا النموذج تحمل معاني النديّة المحترمة، والتكافؤ البنّاء، ووجود الحرية المنضبطة الفاعلة، والتغذية النفسية والاجتماعية والثقافية المتبادلة، الأمر الذي يحقّق التوازن النفسي والسلام الداخلي لكلّ منهما، ويحقّق في الوقت ذاته التوازن المجتمعي والسلام الخارجي؛ لأنّ هذا النموذج ببساطة يقوم على معيار (التقبّل) لا “التحمّل”، بالإضافة إلى أنه يحظى بمعايير القبول الاجتماعي الذي يعتبر الشرط الأساسي لتحقيق الصحة النفسية والاجتماعية..

وعليه، وجب علينا جميعًا العمل لإيجاد مثل هذا النموذج الأخير الراقي، هنا فقط بإمكاننا أن نصنع تغيير اجتماعي إيجابي حقيقي، وللعلم إنّنا نمتلك أدواته من رحم ثقافتنا، ولا نحتاج لاستيرادها من الخارج إطلاقًا.

وبإمكان الحظّ أن يسعفنا ونكون من محظوظيه، وحينها فقط سنهرب جميعًا من وحشة الغموض وشبح العنف الجندري..

دومًا وأبدًا سيكون لنا من هذا الحديث الجندري حصّة أخرى وبقيّة… دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !