أدب الحوار والحوار بأدب ؛؛

10 مشاهدة

أدب الحوار والحوار بأدب ؛؛

مؤشر الوعي أن تختلف باحترام، ومقياس النضج أن تنتقد دون إهانة، والانتقاد يكون للفكرة لا للشخص، فالشخصنة هنا دليل ضعف لا قوة، فلا يجوز أن تصبح الكلمة أداة للجرح لا وسيلة للفهم، وقوة الفكرة لا تُقاس بالصوت العالي ولا بإطالة اللسان، بل بعمق المنطق وصدق الحجة عند مقابلة الفكرة بالفكرة ومقارعة الحجة بمثلها.

المجتمع الواعي لا يكون بلون واحد أحادي الفكر والاتجاه، ويدرك أنّ العقول تتكامل بالحوار لا بالصراخ، ويعلم أنّ الحقيقة لا يحتكرها أحد، والمعرفة واسعة تشمل كل الآراء.

كما أنّ الفكرة القوية لا تحتاج إلى إهانة صاحب الفكرة الأخرى المختلفة، بل تحتاج إلى فكرة وحجة قوية ومنطقية أمامها وعقل ناضج يحاور بهدوء كيّ يثبت فكرته لا شخصه،
وحتى ينجح بذلك، عليه أن يتمتع بمهارة الإنصات لا مجرد الاستماع والاندفاع بالرد دون قراءة واعية وعميقة لما بين السطور وما وراء الكلمات.

أما النضج الحقيقي يظهر عندما تتوفر القدرة على التمييز بين نقد الفكرة والطعن في صاحبها، فالنقد البنّاء يفتح الأبواب لإثراء المعرفة ويقرّب المسافات بين المختلفين في الرأي ووجهات النظر، وإدارة النقد علامة حضارية فارقة،
في حين الإهانة لا تنتج فكرًا ولا تبني موقفًا، بل تزرع الكراهية والانقسام في المجتمع وتفتّته وتثير الفتنة بعد إغلاق باب الحوار.

المجتمعات التي تريد أن تتطور وتتقدم تعلّم أفرادها ثقافة “أدب الحوار” والحوار بأدب منذ الصغر عبر كل مؤسسات التنشئة الاجتماعية، ابتداءً من الأسرة ومرورًا في كل مؤسسات التعليم ثم الإعلام وليس انتهاءً بكل مؤسسات المجتمع، محليًا وعربيًا ودوليًا، كما تشجع ثقافة الاختلاف في الرأي واحترام الرأي الآخر.

وفي المقابل، حين يتحول النقاش إلى “شخصنة” واستعراض للقوة وفرد عضلات، والاحتماء في الأصول والمنابت أو وراء السلطة، يتحول المجتمع هنا إلى معركة كرامات، يخسر فيها الجميع على حساب الوطن؛ ويسقط الهدف من الحوار والاختلاف؛ لأنّ الهدف منه ليس الانتصار على الناس، بل الوصول معهم إلى فهم أفضل للحقيقة بما يصبّ بمصلحة تطور الشعب واستقرار الوطن.

تذكروا أننا الآن في لحظة تاريخية مفصلية، ولحظة عربية حرجة، تتطلب من الجميع تحمّل مسؤولية “الكلمة” المنطوقة والمقصودة والمرئية والمسموعة على حدٍّ سواء، كيف لا والكلمة مسؤولية قبل أن تكون رأيًا، وهي كالرصاصة إن لم ترديكَ قتيلاً تترك فيك أثرًا مدى الحياة، وفي أقلّ تقدير تصنع ضجيجًا وإرهاقًا على النفس والوجدان وعلى كل الأوطان، وصفحات التاريخ تسجلها عبرة للزمن .

#دة_عصمت_حوسو

اترك تعليقاً