العلاج النسوي

العلاج النسوي
1٬040 مشاهدة

(مقاربة نظرية في الثقافة العربية)

يُعرّف العلاج النسوي بأنه علاج اجتماعي بديناميكية نفسية لمساعدة من يعاني من مشكلات اجتماعية بتأثيرات نفسية، ناتجة عن ضغط الأدوار الجندرية والتمييز بين الجنسين، وما ينجُم عن ذلك من مشكلات أُخرى. فتصبح مهمة المعالج\ة مساعدة العميل\ة على اكتشاف مواطن القوة لديه\ها، ورفع المعنويات، وبناء الوعي بالحقوق والواجبات في جميع مناحي الحياة، للتخلص من آثار العزلة الجندرية بين الجنسين في قطاعات المجتمع المختلفة.

تطور العلاج النسوي كنتيجة لجهود الموجة الثانية من الحركة النسوية التي ظهرت عام 1960، عندما بدأ الاهتمام بقضايا المرأة وتحريرها وبمفهوم الجندر، فظهر العلاج النسوي في تلك الفترة. وقبل ظهوره لم يكن الجندر والفروق الثقافية وتأثير ذلك على الصحة النفسية وعملية العلاج النفسي يؤخذ بعين الاعتبار. وتم اشتقاق العلاج النسوي من العديد من الفلسفات النسوية، فلا يُعزى تطوره إلى شخص أو جهة معينة، فهو يمثل مرحلة ما بعد الحداثة. ولا يمكن ممارسة العلاج النسوي دون أن يكون المعالج\ة يتبنّى فلسفة وقيم ومبادئ النسوية بأدوات الثقافة العربية الخاصة، حتى يتمكن من عكسها في العلاقة مع العميل\ة وصياغة التكنيك المناسب مع مراعاة الفروق الفردية والبيئية.

إن واقع المرأة في العلاج النفسي الغربي التقليدي يتضمن التحيّز ضدّ المرأة، ويتمثل هذا التحيز في أن النظرية والممارسة تأسستا في الطب والعلاج النفسي على الإيديولوجية الذكورية، بينما الباثولوجيا هي، بالدرجة الأولى، أنثوية. فللمعالجين والأطباء النفسيين صورة منمطة لما يجب أن تكون عليه شخصية المرأة إلاّ من رحم ربي، فيبنون علاجهم على هذه الصورة المنمطة التي ورثوها من الخيال الثقافي والاجتماعي، وثبّتتها مدارس التحليل النفسي المختلفة، ولم تتغير تلك النظرة على الرغم من التطورات الثقافية والاجتماعية الكبيرة في أواخر هذا القرن، وما حققته المرأة من إنجازات.

فظهر العلاج النسوي نتيجة للاستياء من الممارسة الإكلينيكية التقليدية لمفاهيم الجنس والجندر، تلك الممارسات التي اعتمدت على تدريب العميل\ة فقط على عملية (التكيف) على ما هو سائد، في حين تؤكد الممارسة الإكلينيكية للعلاج النسوي على تحليل الإيديولوجية السائدة والمتضمنة في البناء الاجتماعي، وأثر ذلك على سلوك الأفراد والأزمات النفسية التي يتعرض لها الأفراد بشكل عام والمرأة بشكل خاص. فتعتبر تلك العوامل أنها متداخلة ومترابطة لدرجة عدم القدرة على فصل أي منها عن الآخر.

فرفضت فلسفة العلاج النسوي طرق التشخيص والتقييم التقليدي في العلاج النفسي، مع الأخذ بعين الاعتبار الأساسيات الثابتة غير المختلف عليها في علم الطب النفسي المتخصص. كان هذا الرفض النسبي لعدة أسباب أهمها: أن تلك الأساليب التقليدية لم تعطِ للكبت والضغط الاجتماعي أهمية كبيرة كسبب من أسباب التوتر والأمراض النفسية للعميل\ة، كما أن القوى الاجتماعية والسياسية السائدة كانت تؤثر على عملية التشخيص بشكل غير مباشر، فهؤلاء المتخصصين إفراز للثقافة السائدة. بالإضافة إلى أن المعالج\ة يملك القوة على العميل\ة ويشعره بها، فالشعور بالقوة واستخدامها يُقلّل من إمكانية وجود العلاقة المتساوية بين المعالج\ة والعميل\ة، والعلاقة المتساوية جوهر فلسفة العلاج النسوي. فالعلاج النسوي وإن استخدم طرق التشخيص والتقييم التقليدية المتعارفة، ولكن يكون ذلك (بوعي نسوي) لا يعطي المعالج\ة القوة السائدة المطلقة على العميل\ة.

إن تمسك بعض المعالجين والأطباء النفسيين بهذه الأنماط المغلوطة التي بنوا عليها نظرتهم إلى المرأة المريضة نفسيًا، وتشخيص مرضها، ومعالجتها أدّى إلى أن تختلف نظرتهم كل الاختلاف عن سبل معالجة الرجل. فهم متمسكون بما يرونه دورها التقليدي ومقتنعون به أنفسهم.

ويختلف العلاج النسوي في أنه يعتبر مصاعب المرأة ناجمة عن محيطها أكثر من كونها ضحية لبيولوجيتها. وعليه لا يهدف العلاج النسوي إلى جعل المرأة (تتكيف) أو تتأقلم مع واقعها، وإنما يهدف إلى (تمكينها) على نحو يجعلها مساوية للرجل في التعامل مع محيطها وامتلاك قدرًا أكبر من الحرية والاختيار فيه. فيفترض العلاج النسوي أن السبب الرئيس في التوتر والضغوط النفسية للجنسين وخصوصًا للمرأة هو العوامل الخارجية (السياسية والاجتماعية) أكثر من كونها عوامل شخصية (وراثية بيولوجية). حيث تتجلّى أسباب المرض النفسي لدى المرأة في كونها ضحية: ضحية الوراثة الجينية، أو ضحية واقعها المرتبط بدورها التقليدي ومكانتها الدونية في المجتمع، أو ضحية ضغوط طارئة أو فساد التربية، أو ضحية الصورة النمطية الأنثوية، أو ضحية اللااكتفاء الجنسي، أو ضحية الالتباس في صورتها لذاتها، أو ضحية تعسف الرجل.

فالمصدر الأساسي للأمراض النفسية للمرأة هو الضغوط الاجتماعية أكثر من كونها شخصية خاصة ببيولوجيتها، أي عوامل خارجية أكثر من كونها داخلية. لذلك فإن الهدف النهائي للعلاج النسوي هو إحراز التغيّر الاجتماعي والسياسي، فالوعي بالإطار السياسي والاجتماعي وتوصيفه هو جوهر العلاج النسوي الذي يعتمد على حقيقة مفادها: أن العلاج النفسي حتى يكون فعالًا يجب أن يأخذ بعين الاعتبار العوامل الاجتماعية الثقافية والظروف السياسية السائدة، لأن تلك الأبعاد والعوامل تلعب دورًا كبيرًا في وجود الضغوط النفسية على المرأة. فالكبت والظلم هو السبب الرئيس لمعظم الأزمات النفسية والعاطفية للأفراد من وجهة نظر العلاج النسوي، لذلك يدعو إلى التركيز على إزالة الغموض كخطوة ضرورية نحو التحرر من الظلم، مع التأكيد على الحاجة الملحة لإيجاد العدالة في كل مرحلة من مراحل العلاج. فالعلاج النسوي هو البنية التحتية لتحقيق العدالة الاجتماعية والجندرية من خلال التغيير الاجتماعي الذي سيحدث للفرد ومن ثم سيحدثُه الفرد في المجتمع، فهي تعتبر الفرد فاعل ومنفعل، مؤثر ومتأثر في البناء الاجتماعي.

أما المبادئ الأساسية للعلاج النسوي تتلخص في اعتبار أن كل ما هو خاص هو سياسي، وأهمية العلاقة المتساوية بين المعالج\ة والعميل\ة، وضرورة إعطاء أهمية لتجارب النساء وتسليط الضوء عليها، بالإضافة إلى مبدأ (التمكين). أما آليات العلاج النسوي فتتمثل في تحليل الجندر، حيث يعتمد بشكل أساسي على تحليل الأدوار الجندرية، فيعتبر الجندر محدد أساسي في حياة الفرد. تحليل السلطة القائمة سواءً في الأسرة أو في النظام الاجتماعي القائم، بالإضافة إلى آليات تحديد وضع المرأة وإمكاناتها وإبراز نقاط قوتها، وإعادة النظر فيما وُصِمت به المرأة وأصبح عنوانًا لها ثم إيجاد بدائل متاحة.

إن العلاج النسوي هو النموذج العلاجي الوحيد الذي يوازن بين العوامل الذاتية والعوامل الموضوعية التي تعتبر مصادر للتوتر في تحليلها للسلوك الإنساني وطرق تغييره. فالتركيز في العلاج مع العميل\ة يكون من خلال تمكينه\ها من تغيير البيئة الشخصية والاجتماعية والسياسية المحيطة التي لها تأثير سلبي عليه\ها وعلى الصحة النفسية لكليهما أكثر من المساعدة على (التكيف) مع تلك البيئة، والخضوع للتمييز السائد بكافة أشكاله. وهنا المفارقة في ثقافتنا العربية: وهي ضرورة مساعدة العميل\ة على تغيير الظروف التي من الممكن تغييرها، ثم التكيف مع ما لا يستطع تغييره، حتى لو كان الأمر ليس مثاليًا، ومحاولة إيجاد بدائل مريحة وذلك من أجل الحفاظ على الراحة والصحة النفسية له\ها. فلا يمكن أن نقتبس فلسفة العلاج النسوي الغربي كما هو، تمامًا كصعوبة اقتباس الفلسفة النسوية والجندر بحذافيرها، وإنما يجب دائمًا أن تكون لدينا رؤى عربية تُناسب الثقافة العربية وأدواتها.

إن أساس العلاج النسوي هو التأكيد على أن خبرات وتجارب النساء مختلفة وليست متشابهة، لأن الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية السائدة مختلفة وبالتالي فإن تأثيرها على النساء يكون مختلف أيضًا. فكما يوجد فروق بين الرجال والنساء يوجد فروق ليست بأقل بين النساء أنفسهن وبين الرجال أنفسهم كنتيجة حتمية لاختلاف الظروف المحيطة. فالمشكلات النفسية يجب تفسيرها ضمن الإطار السياسي الاجتماعي السائد. فالغرض الأساسي من العلاج النسوي هو إثراء الوعي والمعرفة لدى العميل\ة عن نفسه\ها، للتمكن من تثبيت مبدأ (التمتين) لنبدأ بعد ذلك بمرحلة (التمكين) ليصل العميل\ة إلى مرحلة من الوعي الكامل بأنفسهم\هن وحقوقهم\هن، والقدرة للتعبير عن المشاعر والتجارب الشخصية، دون أن يتم وصمهم\هن بأنهم\هن مختلفين أو منحرفين أو أنهم\هن على خطأ، وأن من حقهم\هن تقرير المصير بالتعاون مع المعالج\ة دون إملاءات.

إن الهدف الأساسي للعلاج النسوي هو إحداث التغيّر الاجتماعي الإيجابي على مستوى فردي وعلى مستوى مجتمعي. فعلى المستوى الفردي يكون إحداث التغيّر من خلال مساعدة العميل\ة على إدراك الحقوق والواجبات والإمكانات المتاحة، ونقاط القوة الشخصية وتمتينها ثم تمكينها، الأمر الذي سيزيد من فرصة وجود البدائل المتاحة، مما يزيد من فرصة (حرية) الاختيار بين البدائل والخيارات المتاحة، تلك الحرية كانت مسلوبة بسبب قلة الوعي بالتمييز المتضمن في الظروف السياسية والاجتماعية السائدة. أما على المستوى المجتمعي فهو مساعدة النساء والرجال في العلاقة الزوجية أو المهنية بإدراك واحترام حقوق الآخر وتقاسم السلطة، فيتحقق الهدف الأسمى للعلاج النسوي: وهو خلق مجتمع متوازن يتم فيه تبادل الأدوار بين الجنسين، والاعتمادية المتبادلة بينهما، لتحقيق مبدأ التكامل والتكميل في المجتمع، وهذا هو جوهر التنمية الذاتية والمجتمعية.

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !