العلاج بالموسيقى

الموسيقى
1٬614 مشاهدة

“سحر النغم يزيل تجاعيد الهموم”…

على الرغم من زيادة رفاهية التكنولوجيا في العصر الحديث إلاّ أن الإنسان يزداد شعوره بالتوتر، نتيجة لتنامي الضغوط الحياتية ومتطلبات الحياة اليومية بالإضافة إلى تزايد الهموم الوطنية وتفاقم حالة الوضع العربي سوءاً. الأمر الذي يفقده التوازن في حالته الوجدانية والذي بدوره يقود إلى قلة الإنتاجية وسوء التواصل الاجتماعي. وهنا تتولد لديه حاجة ملحة للتخلص من حالة التوتر وإعادة التوازن الوجداني.

ومن ضمن الوسائل العلاجية الفعالة لذلك هو (العلاج بالموسيقى) كعلاج متمّم للعلاجات الأخرى. فالموسيقى لا تعالج بحد ذاتها بقدر ما تحسن الحالة المزاجية للإنسان وتزيد من استعداده للسيطرة على أفكاره وبالتالي تساعده على ضبط انفعالاته، وزيادة القدرة على التركيز والتعلم، كما تساعد على زيادة الإنتاجية. فقد يتذرع البعض أنهم لا يملكون أذنًا موسيقية على الرغم أن 4% من الناس فقط من يعانون من صمم موسيقي حقيقي… أي أن معظم الناس لديهم القدرة على تذوق الموسيقى والاستفادة منها، فهي بذلك تكمل رباعية: الماء، والكلأ، والهواء.

الموسيقى واحدة من الأسس الجوهرية للبناء النفسي الصحي للإنسان، لأنها تُشعِره بجمالية الحياة وتزيد من قدرته على التوافق مع متطلباتها والتكيف مع ضغوطها المتواصلة، فهي تحاكي الجانب الوجداني. لأنها لغة عالمية توحّد البشر وتتجاوز الحدود لاسيَّما الاختلافات والفروق الثقافية، ولا تختلف إلاّ من حيث استخدام السلم الموسيقي وتكوينات النوتة الموسيقية.

عُرف العلاج بالموسيقى منذ القدم، حيث استخدم الإنسان البدائي الغناء والرقص كجزء من الطقوس لطرد الأرواح الشريرة التي كان يُعتقد بأنها السبب وراء الإصابة بالعديد من الأمراض. كما أن كهنة أكبر مراكز الطب في مصر الفرعونية كانوا يعالجون الأمراض بالترتيل المنغّم. وجاء أفلاطون ليؤكد في كتاب الجمهورية أن الوصول للصحة يتحقق عن طريق الموسيقى.

وإن كان العلاج بالموسيقى قد بدأ بالغرب منذ عام 1944، إلا أنه لم يغب عن العرب منذ عقود طويلة، فقد عَلِم العرب قديمًا فائدة الموسيقى في الشفاء من بعض الأمراض النفسية والعصبية والعقلية، ابتداءً بالرازي الذي كان موسيقيًا وضاربًا على العود قبل أن يُقبِل على دراسة الطب، كما درس فائدة الموسيقى في شفاء الأمراض وتسكين الآلام عندما كان يرى المرضى وهم يعانون آلامًا قاسية يغمرهم السرور والبهجة، عندما يسمعون الألحان الشجية وينسون آلامهم المبرحة. أما الفارابي فقد كان له دورًا هامًا في العلاج بالموسيقى، ويُقال أن الآلة المعروفة بالقانون تُنسب إليه وإن كان قد اقتبس فكرتها من الفرس. وختامًا بابن سينا الذي ترسّم خُطى الفارابي في نظرياته الموسيقية، حيث بَرُع فيها نظريًا وعمليًا، وعالجها في كتب عدة.

وقد استعملت الموسيقى الشرقية القديمة في العصرين الأموي والعباسي لعلاج المرضى. وعُرِف أيضًا ضمن الحضارة العربية والاسلامية أنواعًا مختلفة من التداوي الموسيقي، حيث قسّمت الألحان إلى: روحية مؤثرة مثل تجويد القرآن والأناشيد الدينية، وأُخرى حربية وحماسية ووطنية، وألحان جنائزية، وألحان داعية للعمل، أو ألحان المناسبات مثل الأفراح وغيرها، وهناك الألحان الحدّائية التي تُستعمَل في توجيه الحيوانات كقافلة الجمال.

للموسيقى تأثير في تنشيط إفراز مجموعة من المواد الطبيعية في الجسم تُسمى (بالاندورفينات) والتي تتشابه في تركيبها مع المورفين، وهي أحد أنواع المواد الكيماوية الطبيعية التي تفرزها بعض مناطق الدماغ، وأبرز مراكز تجمعها تكون في اللوزتين وفي الجهاز اللمفاوي حيث يحتويان على مجموعة كبيرة من الخلايا التي تفرز الاندورفينات وتؤدي إلى انخفاض المواد المسببة للتوتر، فهي مضادة فاعلة جدًا لتخفيف الألم، وتحفز على الشعور بالسعادة وبالتالي علاج الجسم وشفائه من الأمراض. على هذا فالموسيقى هي المورفين الطبيعي…

ويساعد العلاج بالموسيقى على تحسين صورة الذات، وزيادة الثقة بالنفس، وتطوير مهارة حل المشكلات لأنها ترفع من مستوى الحس المرهف والحساسية النفسية والاجتماعية اتجاه الآخر، بما ينعكس ايجابيًا في زيادة مهارات التواصل والتفاعل مع المحيط. وزيادة القدرة على استخدام الطاقة بشكل إيجابي، والتقليل من السلوكيات غير التكيفية للأفراد، وتحسين المهارات الحركية، وتحسين الاستقبال السمعي، والتحفيز على التعبير والضبط الوجداني، وزيادة القدرة على الاستقلالية والتوجيه الذاتي، بالإضافة إلى تحسين القدرة على الإبداع والتخيل.. 

وفي المجال العضوي يمكن استخدامها في علاج القصور الحركي لدى المعاقين حركيًا باستخدامها مختارات موسيقية معينة مما يزيد أو ينقص النشاط العضلي حسب الأنغام المستخدمة، فالعزف على الهارمونيكا مثلًا يفيد التنفس والبلع، والعزف على الطبلة يطلق الضغط العاطفي بدلًا من كبته أو إظهاره في صورة أفعال عدائية. ولم تتوقف استخدامات الموسيقى عند هذا الحد بل استُخدمت أيضًا في علاج أمراض ضغط الدم فالاستماع إلى الموسيقى الهادئة لمدة ساعة يوميًا مثلًا يؤدي إلى المساعدة في علاج مرض الضغط العالي لأنها تعمل على انخفاض ضغط الدم الشرياني الانقباضي الانبساطي.

يُستخدَم العلاج الموسيقي لكل من: الأطفال، المراهقين، الشباب، المسنين، الأمهات والرضع، الأزواج، العائلات، والمجموعات المهنية في أماكن العمل. فعند الأطفال والمراهقين والشباب يُستخدم العلاج بالموسيقى مثلًا في: صعوبات التعلم، التوحد، تأخر النطق، متماثلة داونز، فرط الحركة وقلة التركيز، المشاكل السلوكية في المدرسة والبيت، صعوبات النوم، اضطراب ما بعد الصدمة، بالإضافة إلى العديد من الاضطرابات النفسية الأُخرى عند الأطفال والمراهقين. أما عند البالغين فقد يُستخدم كوسيلة علاجية متممة للأدوات الطبية في أمراض مثل: الشيزوفرينيا (الفصام العقلي)، الإحباط والاكتئاب، التوحد عند البالغين، الاضطرابات الجنسية، اضطرابات النوم. وبالنسبة للمسنين فهو متمّم أيضًا لعلاج الزهايمر والخرف، الاكتئاب والإحباط. بالإضافة إلى استخدامها للمرضى بعد العمليات الجراحية.

وعلى الرغم من ندرة استخدام ثقافة العلاج بالموسيقى في الدول العربية (في الوقت الحاضر على الأقل)، فلا يمكن أن نقدم العلاج من خلال موسيقى غربية فقط لمجتمع شرقي، بل لابد أن يكون هناك علاجًا موسيقيًا من خلال توليف موسيقي يأخذ بعين الاعتبار اللغة والثقافة والمزاج العربي. فلكل طبيعة نغمة تُشاكلها، ولحن يلائمها، كل ذلك يختلف باختلاف الأمزجة واختلاف طباع وتركيب الأبدان في الأماكن والأزمان.

فهل بالفعل سوف يأتي يومًا تدخل فيه الموسيقى مجمل تفاصيل حياتنا ويكون لها الدور الفعّال في حل الكثير من المشكلات والتعقيدات، ويتم استخدام أشرطة الأغاني والموسيقى بجانب العقاقير الدوائية في الصيدليات؟؟ هذا السؤال يُمثّل تحدّيًا مهنيًا وثقافيًا لنا جميعا،،، وكما قال الفيلسوف الصيني (لاو_تسي) “اعتنوا بالفنون واهتموا بثقافتها تتخلصون من المجرمين وتقطعون دابر اللصوص والفاسدين”…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !