السلوك الإرهابي وليد (الإيدز) الفكري

السلوك الإرهابي وليد (الإيدز) الفكري
4٬214 مشاهدة

إذا كان نقص المناعة (المكتسب) المعروف “بالإيدز” يصيب الجهاز المناعي البشري ويعتبر من الأمراض الوبائية المتفشية التي تفتك بالبشر، فإن نقص المناعة العقلي (المكتسب) سيفتك بالأمم. فهو الأخطر حاليًا – على الإطلاق – على صحة العقل الجمعي والجسد المجتمعي، ويا ساتر..

بعيدًا عن الفقر والبطالة وغيرها من الظواهر الاجتماعية المعرّفة بأنها البيئة الحاضنة للإرهاب والتطرف، هنا مقاربة نفسية اجتماعية لذلك (الإيدز الفكري) الذي يمزّق النسيج الاجتماعي ويغدو به (فتقٌ لا يمكن رتقه) إلاّ بخيوط سحرية وإبر بلاتينية وخبرات غربية؛ فالمشكلة والحل دائمًا تأتينا من بلاد العم سام بدافع الحجر الصحي على الأمة العربية المصابة بالفيروس الداعشي المسبب لوباء (الإيدز الفكري). حيث تتغير أسماء وأشكال الفيروسات وفقًا لمرحلة المرض وشكل العلاج؛ فمن القاعدة إلى داعش والحبل على الجرار…

عندما يعجز الفرد عن تحقيق فرديته وذاتيته على أعلى سلم الحاجات الإنسانية في هرم (ماسلو)، وعندما لا يتعدى دوره سوى إشباع الحدود الدنيا من الحاجات الأساسية كالمأكل والمشرب في أسفل الهرم بسبب الغلاء المتصاعد، وتقف قدرته عند ذلك فقط، ويصبح الوصول لأعلى الهرم من سلّم ماسلو حلمًا مستحيلًا، يبدأ الحنين (للتوحد) وتبدأ الرغبة في (الذوبان) والانصهار في العقل الجمعي لأي جماعة ستسمح لذلك الكائن الحي “العاجز” تحقيق ذاته بعد تبنّي منهجها وعقيدتها باعتباره المخرج الوحيد من المأزق على مذبح تحقيق الذات…

عندما يشعر الفرد بِ(الدونية) في مجتمعه مقابل إشعاره (بالقيمة) العليا في تلك الجماعات، تبدأ الفردية بالتلاشي في عقله وتصبح الرغبة في التوحد مع عقلها الجمعي هي غايته الأسمى…

عندما يشعر الفرد (بالضعف) في مجتمعه ويفقد حاجة “الأمن والأمان”، ثم يشعر (بالقوة) لدى تلك الجماعات، سيدافع عنها وعن وجودها على حساب وطنه…

عندما يشعر الفرد (بالغربة) في وطنه، (والاغتراب) عن خيراته، وعمله شاقّ جدًا مقابل رفاه الأقلية، ثم يشعر (بالاحتواء) من قِبل تلك الجماعات ويستمتع بوفرة الإغراءات المالية والخدماتية حتمًا سيشرعن وجودها…

عندما يكون الفرد مليء بالمحفزات الداخلية والدافع نحو الإنجاز ويواجه بالمعيقات الخارجية في بلده سيجد البيئة الداعمة لمحفزاته في أحضان تلك الجماعات…

عندما يرى واقعه محبطًا وبالمقابل يرى المستقبل في عقيدة تلك الجماعات سيؤمن بقدرتها على تحقيق أهدافها…

عندما يُرهق من المسؤوليات اليومية الضاغطة ويشعر بالاستنزاف دون مقابل، يصبح الهروب لصالح الأهداف الكبرى لتلك الجماعات ملاذه…

عندما تغيب عن بصره نماذج القدوة، ونماذج الأبطال، ونماذج الانتصارات، ويصبح نموذج “القوة” هو السائد للفاسدين ولهم السلطة والجاه (ولهم فقط)، هنا لا غرابة أن تُعمى بصيرته فتصبح الغاب شريعته ويقع فريسة لتلك الجماعات ليتعلّم معها التوحش…

عندما يرى مؤسساته الوطنية هشة وتقع بنيته التحتية عند أول عاصفة ثلجية تصبح قوة تلك الجماعات المؤسسية مثيرة لإعجابه ويركض للالتحاق بركبهم…

عندما يشهد انتقائية تطبيق القانون وغياب العدالة سيدرك أن العنف والبلطجة أداته الوحيدة لاسترجاع حقه بحماية من تلك الجماعات…

عندما تصبح مؤهلاته العالية غير كافية للتميّز ويفشل على مستوى فردي لوضع بصمته بشكل طبيعي، سيصبح القتل والتدمير هو البصمة “للشهرة” من خلال تلك الجماعات…

أما الأخطر على الإطلاق في هذه المرحلة،،، عندما يبرز “تجار الدين” ويتم استغلال الدين وتشويه مفاهيمه عن الحياة الأُخرى بعد الموت؛ فيتم تجميل فكرة الموت وتوقيته في العقول ليصبح الانتحار هو (الاستشهاد) للذهاب إلى الجنة حيث “حور العين”، يقع الفرد هنا ضحية للابتزاز العاطفي ويتشوه مفهوم (الملىء الروحي) نحو الدين، ويصبح الانتماء لتلك الجماعات والحرب معها على (أعدائها) وذبحهم وقتلهم وتدمير البنى التحتية واجب ديني وفرض عين….

عندما تصبح تلك الجماعات مغسلة للتاريخ المشوّه للمجرمين وأصحاب السوابق، ومستشفى العلاج النفسي للمرضى الخطرين، تصبح الفرصة الوحيدة (للتطهر، والتوبة) الانضمام لها بغض النظر عن اسمها في كل مرحلة. ويبرز هنا دفاع (التسامي) النفسي لدى أصحاب الشخصيات المضادة للمجتمع لتتنقّى من الخطايا كما يٌنقّى الثوب الأبيض من الدنس…

عندما يفشل (المشروع الذاتي) وتتوافر تلك البيئات الحاضنة السابقة الذكر، تبرز الهشاشة النفسية للأفراد، ويعمّ الفراغ الكلي، وتكون النتيجة الحتمية هبوط المناعة العقلية لجميع أفراد المجتمع السابقين. وحتمًا سيصابون بوباء الإيدز الفكري (المكتسب)، وستتحرك المحفزات النفسية للداعشية الداخلية لديهم ويصبح الخيار (الأحادي) للأسف، الأمر الذي يوفر البيئة الخصبة للخلايا النائمة الإصابة بهذا الوباء الفتّاك…

وأخيرًا وليس آخرًا،، نحن لم نعد نطالب برفع الظلم وتحقيق العدالة الاجتماعية – فقد هرمنا – لعله حلم أكبر من قدراتنا، بل غدونا نطالب ونحلم (بالعدالة في توزيع الظلم الاجتماعي) ربما هو الآن الحلم الوحيد الذي على مقاسنا….
وسيبقى لنا من هذا الحديث تحليلٌ آخر وبقية… دمتم….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

2 thoughts on “السلوك الإرهابي وليد (الإيدز) الفكري

  1. Fathy El hefny says:

    مقال اكثر من رائع
    فهل من مستفيد
    قبل فوات الاوان
    مقال اكثر من رائع
    المعارضه الوطنية
    تنير الطريق
    تبنى ولا تهدم
    حفظ الله مصر

  2. Odeh arikat says:

    تحياتي دكتورة عصمت. . . هذا موضوع شائك ولا يمكن بهذه البساطة حصر اعراض الداء الايدز الفكري وفقا لما ذكرتي والداعشية صناعة غربية كما كانت القاعدة ونسبتهم لتعداد العالم الاسلامي واحد على خمسين الف ولذلك لا يمكن ان نعمم بان كل من يفشل في حياته او عمله او تضيق عليه الدنيا يذهب لداعش. . . وايضا عدم القول ان الدين ورجاله يشجعون على الانتحار من اجل الحور العين . . لان ذلك مرده هو الاحتلال لان الشعوب المحتلة من حقها المقاومة وتحرير اراضيها والجهاد هو ذروة سنام الدين . .وهذا لا صلة له بالارهاب لان معظم شعوب العالم حاربت مستعمريها وحصلت على الحرية. . .والمقاومة هي رد فعل للاعتداء من قبل الدول التي اصابها مرض الايدز القلبي والتي تقصف الشعوب بالصواريخ المدمرة والقنابل الحارقة القاتلة راينا ذلك في افغانستان والعراق وسوريا وليبيا وفلسطين وغيرها. . . ولذلك من حق الشعوب الرد على العدوان والثأر لما اصابهم من بلاء العدوان . . .ولهذا انقلبت الموازين اليوم حيث اصبح الثائر المطالب لحرية بلده ارهابي. . وارى ان هناك واجب على المفكرين والكتاب تصحيح المفاهيم ونصرة الشعوب المستضعفة من قبل الدول المتغطرسة والتي تجرب اسلحتها الفتاكة فيها . . .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !