التحرش بالرجل

التحرش بالرجل
1٬041 مشاهدة

استحضر في هذا المقال مقولة لشاعر المرأة ‘نزار قباني’ يصف فيه عقل المرأة بتعبير مجازي فيه خلاصة إحساس حقيقي لرجل غاص في بحر النساء:-
“قرأت كتاب الأنوثة حرفًا حرفًا ولا زلت أجهل ماذا يدور برأس النساء”…

اعتدنا أن نسمع عن ظاهرة التحرش بالمرأة فقط، وهناك غزارة بالأدبيات التي تتناول تلك الظاهرة والدراسات التي ترصدها بالأرقام والنسب وتحلل أسبابها وطرق علاجها. ولكن نَدَر الحديث عن (التحرش بالرجل) على الرغم من واقعية وجوده وزخم انتشاره خصوصًا في العصر الحديث (يا لرداءة تلك الحداثة). ولكن تلك الظاهرة لا يتم تسليط الضوء عليها باعتبارها ظاهرة غير مرضية في المجتمع الذكوري لأن شرف هذا المجتمع مرتبط بالمرأة فقط، وربما يكون السبب أيضًا أن هذا التحرش يروق للرجل ولا يمانعه ولا يشكو على المتحرشة به ولا يقاومها وقد لا يعتبره تحرشًا على الإطلاق، ولا يتطلب ذلك وضع قيود اجتماعية عليه كما المرأة…

هناك من يصنف التحرش إلى تحرش مرضي وتحرش عرضي (مع تحفظي على هذا التصنيف القمعي): الأول هو التحرش سواء بالكلمة، أو النظرة، أو اللمسة في حال كان الوضع يدعو إلى التحرش أم لا، ويعتبرون ذلك انعكاسًا لمرض نفسي يتطلب علاجًا مع عدم الإعفاء من العقوبة. أمّا التحرش العرضي فهو يحدث فقط عندما تتهيأ الظروف الملائمة للتحرش، وكأن التحرش وإن كان عرضيًا لا يعتبر مرضًا نفسيًا وأخلاقيًا وبامتياز.

وأضيف هنا نوع آخر من التحرش وهو (التحرش القصدي) الذي يكون بكامل الإرادة والوعي وأهدافه متعددة. فالتحرش المقصود بالرجل مثلًا – بما أننا نتحدث هنا عن ظاهرة التحرش بالرجل – قد يكون الهدف منه (الاستغلال) سواء المادي أو الخدماتي أو المعلوماتي أو القلم الأدبي أو الإعلامي أو التكنولوجي أو الطبي وأشكال أخرى لا تُعدّ ولا تُحصى من أشكال الاستغلال للرجل، وأحيانًا يكون الهدف منه (الشهرة) وإشباع الإيجو الفارغ باقتران اسم المرأة المتحرشة برجل مثقف أو مشهور أو وسيم أو صاحب منصب أو سلطة. وفي كثير من الحالات المرأة المتحرشة يكون هدفها الاستحواذ على ذلك الرجل بغض النظر عن جاهزيته أو رغبته أو حتى إذا كان متاحًا وغير مرتبط، وقد تكون لديها نية شريرة مبيتة بعد تطور العلاقة لترك الشريك والزواج بالعشيق بحثًا عن صيغة لجمع شظايا الكرامة المهشّمة جرّاء خيبة الزواج…

التحرش سلوك مستهجن ومشين سواء أكان مرضيًا أم عرضيًا أم قصديًا، لأنه يعكس التشويش الذهني والتخبط النفسي والمرض الأخلاقي لدى المتحرشة حتى لو كان الرجل هو من قدم إيحاءات لاستدراج المرأة للتحرش به..

إن التحرش من قِبل الجنسين اتجاه الآخر هو سلوك مرضي ووباء أخلاقي (معدي جدًا)، خصوصًا إذا بقي محصورًا في دائرة وصم المرأة وعدم تشخيص الظاهرة في إطارها الأشمل من حيث الأضرار الواقعة على الجنسين وعلى الأسرة وعلى المجتمع. فالعديد من الكتابات تتحدث عن التحرش وكأنه ضد المرأة فقط دون الحديث عن التحرش ضد الرجل والذي غالبًا ما تدفع ثمنه المرأة أيضًا. مثلما يوجد رجال متحرشين يوجد أيضًا نساءً متحرشات (ويخربن البيوت). فإذا حصل ذلك فهل يكون السبب أناقة الرجل مثلًا أو وسامته؟؟ هل هو من أوحى لها أن تتغزل به أو تكتب له شعرًا أو ترسل له أغاني أو رسائل غير لائقة على وسائل التواصل الاجتماعي وفي أي وقت؟؟ هل هو من أوحى لها بإقامة علاقة خارجة عن الأخلاق رغمًا عنه؟؟؟ هل هو من أوحى لها بكثافة الإتصال به وفي جميع الأوقات؟؟ هل السبب تهافت النساء عليه اللواتي يقدمن أنفسهن قربانًا له على مذبح وسامته أو ثقافته أو ماله أو سلطته؟؟؟

لماذا نلوم الرجل المتحرش ونصفه بأنه حيوان ناطق غير قادر على ضبط غرائزه وهناك نساء يفعلن ذلك؟؟ خصوصًا وأن المرأة (المغدورة) هي من تدفع الثمن أيضًا إذا كان ذلك الرجل المتحرش به مرتبط ومستقر…

جميع التساؤلات السابقة مشروعة بحكم شرعنتها عند الحديث عن التحرش بالمرأة وتحميلها دائمًا مسؤولية التحرش بها، الفرق هنا بين التحرش بالرجل والتحرش بالمرأة؛؛ هو يتلذّذ وهي تتعفّف…

التحرش هو فعل إرادي يصدر من شخص مكبوت رخيص لإشباع حاجة (ما) تنمّ عن دونية واستعراض رديىء وفراغة العين، بالتعدّي على الجنس الآخر قولًا أو فعلًا أو تلميحًا أو تصريحًا بطرق غير لائقة وأحيانًا تكون منمقة ومدروسة، لكن تتنافى مع السلوك السوي وأبسط قواعد الأخلاق لاستباحة الآخر وإيقاعه بالفخّ..

وهنا يجب ان ننتبه لظاهرة أخطر وهي التذرع بالتحرش تحت عنوان (المجاملة والغزل)، فكل قول أو فعل يصدر من شخص خارج دائرة الأشخاص المهمين والمعرفين لدى الشخص يعتبر تحرشًا، والمجاملة والغزل لا تكون مقبولة إلاّ من تلك الدائرة المعرّفة فقط. وهذا ينطبق على المرأة والرجل معًا لا استثناء هنا، ومثلما تعتبر المجاملة والغزل للمرأة تحرشًا ينسحب الأمر على الرجل تمامًا ولا يجوز أن تكون معاييره مزدوجة ويسمح لنفسه ما لا يسمحه لزوجته أو المرأة التي تخصه. لا يمكن اعتبار التحرشات مديحًا أبدًا فالعبارات المغلفة التي يستخدمها كل منهما لاستدراج الآخر تعتبر تحرش ظاهره برّاق وباطنه أفّاق، وهل استخدام العقل واللغة والكتابة كوسيلة استدراج وإغراء أقل دناءة عن الإغراء بالجسد مثلًا؟؟ لا فرق البتة وجميعها رذائل…

ظاهرة التحرش المرضية والمعدية نتيجة حتمية لما يشهده العالم العربي اليوم من تدهور أخلاقي وقيمي وانحطاط فكري وتفشّي الداعشية في ثقافة المجتمع الذكوري التي نخرت جسده حدّ التسوس. ليس من المعقول ونحن دولة نتمايز بزوال الأمية الكتابية أن نبقى نراوح مكاننا في أمية القانون غير الرادع وأمية الاستنكار الاجتماعي الخجول باتجاه التحرش ضد الرجل أو المرأة على حد سواء.. فالشرف والأمانة والوفاء والصدق طباع أصيلة لا صنائع دخيلة…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !