(السُمْنة) الإعلامية وصناعة العنف

(السُمْنة) الإعلامية وصناعة العنف
1٬491 مشاهدة

السُمنة هي زيادة وزن الجسم عن المعدل الطبيعي نتيجة لتناول غذاء ذي سعرات حرارية عالية تضر بصحة الجسم مع الوقت بسبب تراكم الدهون. أما (السمنة الإعلامية) فهي شغف الحصول على المعلومة ذات السعرات الحرارية العالية جدًا جدًا التي تشحن الجسد المجتمعي بالعنف، وتؤدي به إلى الإصابة بالأمراض النفسية والاجتماعية بسبب تراكم دهون المعلومات (السّامة) غير المفيدة والمشوّهة والمحرّفة (والموجّهة) في كثير من الحالات..

في ظل تطور وسائل الإعلام المختلفة ووسائل التواصل الاجتماعي المتعددة إلاّ أنها وصلت بنا حدّ التخمة كمًّا (لا) نوعًا.. فعلى الرغم أنها سهلت الحياة لنا واختزلت الأمكنة والأزمنة إلاّ أنها مع الأسف الشديد وصلت بنا حدّ السمنة غير الصحيّة، بحيث أصبح من الواجب علينا وضع برنامج (دايت) في تلقّي المعلومة للعودة إلى التوازن الإعلامي الصحي القائم على (النوع) ليس (الكمّ)..

الإعلام الحالي عزّز العنف بكافة أشكاله لاسيّما المكبوت منه، لكونه يلهث وراء الأخبار المثيرة كالصراعات السياسية بين الدول، والحروب، والتفجيرات، والاغتيالات السياسية، وأخبار الجريمة، وحوادث الطرق وغيرها.. ويعرضها بطريقة تظهر أجساد الضحايا وهي ممزقة أو محترقة، بالإضافة إلى مشاهد الدماء المُراقة في الشوارع في ظل ما يشهده الوطن العربي من صراعات دموية. إضافة إلى أفلام العنف التي تُركز على قضايا الجريمة وما يتخللها من عنف ومطاردات قد تدفع المتلقي إلى تقمص دور الضحية، وبذلك تتعزز لديه مشاعر الخوف والقلق والتي تصل أحيانًا إلى مرحلة الفزع وبخاصة لدى الأطفال أو كبار السن من الضعفاء، لتخيلهم أن ما يشاهدونه هو حقيقي وأنهم قد يتعرضون لمثل ما يشاهدون. أو قد تدفع مشاهد العنف بالمتلقي إلى تقمص دور من يقوم بالعنف (الجاني) لاسيّما إذا كان من يجسد ذلك هو (النجم) الذي يحبه كنموذج للسلوك؛ فتتعزز لديه رغبة (التقليد) وهذا ما قد يحدث لدى الأطفال والمراهقين، وهناك حصيلة كبيرة من الدراسات النفسية والاجتماعية التي تُظهر أن تعلُّم الصغار للعنف يتم من خلال التعلُّم الاجتماعي القائم على التقليد والمحاكاة. الأمر الذي يؤدي إلى رفع حدة الآثار النفسية والاستثارة العاطفية عند الفرد مما قد يقود إلى ارتكاب سلوك عنيف تجاه الآخرين..

والأخطر من ذلك أن حساسية الفرد اتجاه سلوك العنف تقلّ بسبب تكرار مشاهدة أحداث العنف عالية السعرات الحرارية إلى أن تصل حدّ السمنة الإعلامية فيصل لمرحلة (الاعتياد) لا الامتعاض. ويتوقف سلوك الفرد – أي استجابته للمشاهدة – على مدى (إحساسه) فقط؛ بمعنى مجرد الإصابة بمشاعر الإحباط والضيق والتوتر أي (اللافعل). ولو دققنا النظر في العلاقة بين السمنة الإعلامية وصناعة (العنف) لوجدنا أنها تعود إلى عوامل سايكولوجية ذاتية وموضوعية مجتمعية (انطلاقًا من الترابط الوثيق بين الذاتي والموضوعي أي بين الفردي والمجتمعي) منها أن كثيرًا من الناس لديهم إحباطات كثيرة في حياتهم اليومية، وأن تلك الإحباطات تساعد على تغليب الروح العدوانية والميل نحو العنف. فتغطية أخبار العنف كأحداث ميدانية يجري السباق على تناولها إعلاميًا بسرعة وفورية وبث حيّ يفوق عشرات المرات تناول العنف كقضية نفسية اجتماعية سياسية تحتاج إلى نقاشات معمقة وتحليلية، الأمر الذي يؤدي إلى خلق روح اللامبالاة لدى المتلقي بسبب تكرار المشاهد؛ وهنا تتكرس وتتعمق اللامبالاة وتضعف الروح الوطنية والقومية للشعور مع الآخر المكروب والمأزوم..

ومن أهم الأمراض النفسية والاجتماعية نتيجة (السمنة الإعلامية) لمشاهد العنف: زيادة في المشاعر العدائية، الأحلام والكوابيس المزعجة، الخوف، الفزع والصراخ بقوة، الرهابات المختلفة: رهاب الموت، رهاب الدم، رهاب المستقبل، فقدان الأمان وقد يسبب قلق الانفصال لدى الأطفال، اضطراب ما بعد الصدمة، اضطرابات النوم، الاكتئاب، نوبات الهلع، العنف الفردي والمجتمعي، والأخطر الشعور بالعجز والضعف والدونية أمام الآخر الأقوى كما يقدمه الإعلام. بالإضافة إلى أن ألعاب الكمبيوتر واستخدام شبكات الإنترنت بكثرة دون رقابة وتوجيه تساعد على اكتساب بعض السلوكيات الشاذة والمنحرفة مما يعود بالضرر على مستخدمي هذه الوسائل، حيث أن مواقع العنف والإباحية أكثر المواقع استعمالًا خصوصًا من قِبل الأعمار الشابة والمراهقين، فتشكل ضغطًا نفسيًا كبيرًا عليهم وتنفجر لديهم على شكل الاعتداء الجنسي أو العنف والجريمة أو التوجه نحو التطرف والجماعات الإرهابية..

لعلاج السمنة الإعلامية القائمة على العنف الذي يتم تشرّبه واكتسابه ولا يولد مع الفرد، يجب وضع برنامج (دايت) إعلامي يخضع للرقابة الذاتية؛ بحيث نقلل نسبة المشاهدة لأخبار العنف ونكتفي بموجز الأنباء ذي السعرات الحرارية القليلة، بدلًا من التسمّر أمام وسائل الإعلام المختلفة ونتعرض إلى زيادة الوزن بالحشو الإعلامي المزيف (والموجّه) حدّ التخمة فتزيد ((السمنة الإعلامية)) وتكون نتيجتها سلبية على التفاعل مع القضايا العربية، فالمشاهدة لا تُغني أبدًا عن الفعل المنتج…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

One thought on “(السُمْنة) الإعلامية وصناعة العنف

  1. فاطمة المغناوي says:

    ممتاز ، يلامس هذا المقال المعيش اليومي للإنسان مع كم وطبيعة والسيل الجارف للمعلومات التي اصبحت تشكل احد الضغوط النفسية الخطيرة التي تنضاف لما نعيشه مع الوباء اللعين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !