للأنقياء فقط!

للأنقياء فقط!
1٬080 مشاهدة

الاختلاف لا يعني الخلاف، واختلاف الرأي أو اختلاف الجنس أو اختلاف العرق أو اختلاف الدين أو اختلاف الجنسية لا يُفسد الودّ ولا يزرع الحقد… هنا على وجه الخصوص تطغى ثقافة (التسامح) فهو ثقافة للأنقياء فقط وربما للأذكياء أيضًا…

قبل أن أبدأ الخوض بمفهوم التسامح والثقافة المرتبطة به أودّ أن أوضح (الخطأ الشائع) الذي يقع به البعض عند استخدام مفهوم “التسامح” للتعبيرعن (قبول الآخر) المختلف سواء على أساس الدين أو الجنس أو الجنسية أو العرق أو الطائفة وغيرها. هنا المقصود بقبول الآخر – أي قبوله كما هو – دون عناء محاولات التغيير أو الحكم المسبق أو العنونة أو حتى الوصم، ثم خلق لغة حوار صحيحة معه.

أما التسامح فيعني: الصفح عن الآخر على سلوك خاطىء مُسيء سبّب الضرر والأذى واعطائه فرصة أُخرى، مع أخذ الحذر والحيطة حتى لا يقع الطرف المتضرر بفخ الأذى مرة أُخرى، انطلاقًا من قاعدة سلوكية هامة مفادها (المُجٓرّب لا يُجٓرّب) بحكم التجارب السابقة السيئة، فالمرة الأولى العيب منك أما اللاحقة الغباء منّا.. والقانون لا يحمي المغفلين للأسف الشديد رغم حاجتهم الشديدة للحماية، أما القانون الأخلاقي الأصيل وعدالة تطبيق القانون بروح الرحمة والضمير يحمي الجميع في كل الظروف وفي جميع الأوقات…

لذلك لا يجوز استخدام هذا المفهوم – أي التسامح – في إطار (التسامح الديني) مثلًا؛؛ وكأن الديانة الأُخرى تقع في دائرة الخطأ ونريد أن نصفح عنها!! وإنما يجب أن نردّد بدلًا من ذلك مفهوم (قبول الاختلاف الديني)، وينسحب استبدال مفهوم التسامح بمفهوم (قبول الاختلاف) على كافة استخدامات مفهوم التسامح في إطار قبول الآخر المختلف..

الاعتقاد الخاطىء السائد في المجتمع أن مسامحة شخص يعني التغاضي عن السلوك العدواني الذي سبب ضرراً له أو لها، ولكن الصواب هو قبول الموقف رغبةً في المضيّ قُدُمًا نحو مرحلة أكثر إيجابية في العلاقة، وهذا هو جوهر ثقافة التسامح. فهي عملية لا تصبّ في مصلحة الطرف الآخر الذي سبب الأذى بقدر ما تصبّ في المصلحة الشخصية، ببساطة لأنها تُخلّص الإنسان من المشاعر السلبية كالغضب والحقد والاستياء والرغبة في الانتقام التي تُدمر الشخص نفسه قبل أن تُدمر الآخر، فتقوده لإحلال الطاقة السلبية مكان الطاقة الإيجابية والإنتاجية لا بل تعطيلها وتجميدها بسبب احتلال الأفكار السلبية لمساحة كبيرة من الدماغ. فالطاقة السلبية تُدمر صاحبها أولًا ولا تزول من تلقاء نفسها وإنما من خلال تحديد الأفكار المرتبطة بها ومعالجتها بوسائل تنفيس ملائمة وتكنيكات خاصة..

إن تعلّم ثقافة التسامح تتطلب مجهودًا ذهنيًا وعاطفيًا كبيرًا، لذلك تُعتبر عملية صعبة وبطيئة لأنها ترتبط بشعور استحقاق الحُبّ والاحترام وقبول الاختلاف لسمات الآخر وتوجهاته وآرائه، ولتعلّم تلك الثقافة يجب تعلّم (ثقافة الاعتذار) أولًا، من خلال الاعتراف بالخطأ وأن يتحمل كل طرف مسؤولية الأقوال والأفعال في موقف الخلاف وتجنب الحالة الدفاعية حتى لا يتم دفع الطرف الآخر نحو الحالة الهجومية. فالاعتراف بالخطأ وتحمل عواقبه والاعتذار عنه وقبول الطرف الآخر كما هو بحسناته وعيوبه يُخلّص الإنسان من الشعور بالذنب ويُسهّل عملية التسامح بسبب التحرر من مشاعر الغضب والتعنّت، وبذلك تصبح العلاقة مع الآخر (المهم) أقوى وأمتن ومع الآخر (المختلف) أسهل وأكثر مرونة لأنها تخفف حدّة الاحتقان خلال التواصل وتقلّل من المشاكل والخلافات، وفي هذه الحالة بالتحديد فإن تصاعد العنف يزول بالضربة القاضية..

عندما يصل الشخص مرحلة التسامح هذا يعني نسيان (السلوك) الخاطىء تمامًا وعدم ذكره أو (المعايرة) في كل مناسبة، وإنما استذكار السلوك والمواقف الجيدة الحديثة للسيطرة على عدم إثارة المشاعر السلبية مرة أُخرى وتمتين العلاقة، سواء كانت العلاقة الزوجية أو العائلية أو الصداقة أو الزمالة أو مع الآخر المختلف. فالصفح عن شخص ما على ارتكابه الإيذاء أو سوء المعاملة لا يعني قبول ذلك السلوك، وإنما يعني بناء مستقبل قويّ ونقيّ من خلال التغلب على أخطاء الماضي. فالتسامح لا يُغيّر الماضي ولكنه بالتأكيد يُثري المستقبل مع الحيطة والحذر بالطبع..

وفي حال تكرار الخطأ نفسه فيجب عندها إعادة النظر في استحقاق ذلك الشخص للتسامح حتى لا يتحول الأمر إلى الاستغلال والتمادي في الأذى. وهنا الخطأ ليس في ثقافة التسامح نفسها وإنما قد يكون بالأسلوب المستخدَم، وتُفرض تلك الحالة تغيير الاستراتيجية المستخدمة لدرء تكرار الخطر والأذى، ولعلاج ذلك يتم التدرج بزيادة المسافة الاجتماعية مع الطرف الآخر ووضع حواجز نفسية ومعنوية وسلوكية، وتتزايد المسافة الاجتماعية بتناقص تجاوب الطرف الآخر. ولكن عندما نواجه الطرق المسدودة باتجاه ثقافة التسامح مع الآخر الذي لا يأبه بها مطلقًا فلا بدّ إذًا من (الكيّ) كآخر طرق العلاج، والكيّ سلوكيًا يعني هنا: قطع العلاقة بشكل مُطلق دون النظر إلى الوراء أو حتى الندم..

التسامح لا يقتصر على مسامحة الآخر وإنما يكون التسامح مع النفس أيضًا على الرغم أنه أكثر صعوبة، فالشخص المتسامح مع نفسه يكون أكثر رضى وقناعة وأقل إصابة بالمشاكل النفسية وأكثر قدرة على التسامح مع الآخر..

التسامح إذن ليست ثقافة نقاء فقط بل ثقافة ذكاء أيضًا، وهي جمع بين معدنين تمثل ثروة عزيزة في النفس البشرية المتوازنة.. لا تسامح بدون حُبّ واحترام ولا حُبّ واحترام بدون تسامح…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !