الإناء المخزوق

الإناء المخزوق
1٬078 مشاهدة

يوجد مقاربة بين العلاقات الإنسانية والفيزياء الطبيعية، بناءً على قاعدة (الانتشار المتبادل)…

نظرية الإناء المفتوح (المخزوق) مفادها: أن الإناء (المغلق) في حال بقائه مغلقًا فإنه سيبقى محتفظًا بما فيه من مواد كيميائية صالحة أم طالحة، وسيبقى محتفظًا أيضًا بنسبة ملوحته وحموضته والبكتيريا الموجودة فيه وغيرها من الكائنات والشوائب، فإذا فُتح (خُزق) ذلك الإناء بأقنية ولو بنسبة ضئيلة بجانب إناء آخر يشبهه فإنه سيزيد من مواصفاته المشابهة ويضخمها، أما إذا تسرّب لذلك الإناء من أي إناء صالح كيميائيًا ولو نسبة بسيطة فإن الانتشار المتبادل قد يُحسِن من مواصفات مكونات ذلك الإناء معتمدًا على نسبة وكمّ تعرضه لمكونات الإناء الأفضل.

هذا من ناحية فيزيائية، أما من ناحية إنسانية حاولت هنا مقاربة تلك النظرية إلى العلاقات الاجتماعية والسلوك الإنساني في إطار الأسرة الصغيرة والمجتمع الكبير بناءً على مبدأ (المحاكاة والتماهي) وأحيانًا التقليد، كنتيجة حتمية للاختلاط بالآخر المختلف والمتشابه على حدّ سواء، مع أهمية التركيز على ضرورة الاختلاط بالنماذج الناجحة التي تقود إلى (عدوى السلوك) السويّ الإيجابي والمنتج..

الأسرة أيضًا عبارة عن (إناء) يتضمن ديناميكيات ونمط حياة، وطرائق تربية، وشخصيات، وتواصل بين أفرادها، ولعل الأخير هو الأهم. الإناء العائلي (المغلق) يُحافظ على أمراضه، لا بدّ من البحث إذن عن حالة انتشار مع أواني أسرية أكثر نقاءً واستقرارًا..

وما ذكرته مثبت ولكنه غير محدد بالتوصيف العلمي لذلك حاولت الاجتهاد بوضع مصطلح يُمثل هذه النظرية الهامة وهي (نظرية الإناء المفتوح أو المخزوق). وفيما يلي بعض من النماذج التي تُوضح تلك النظرية:-
– التواصل الفظّ أو المؤذي أو غير المناسب بين الأزواج، فعندما يختلط هؤلاء الأزواج بأزواج آخرين التواصل بينهما حضاري قائم على الاحترام المتبادل فإن عدوى السلوك الإيجابي يفرض عليهم الامتثال من خلال المحاكاة حتى يكون هناك قبول اجتماعي في الوقت الذي يجمعهما، ومع زيادة الاختلاط بتلك النماذج وتكرار السلوك نفسه يتحول إلى نمط حياة من خلال عملية (التعوّد)، وهنا تم فتح ذلك الإناء الأُسري المغلق بنسبة سمحت له بتحسين مواصفاته من خلال الإناء الأكثر انسجامًا واحترامًا. طبعًا العكس صحيح تمامًا، لذلك يجب انتقاء الأصدقاء في العلاقات الزوجية لنقل العدوى الصحية وتحقيق الانتشار السلوكي الإيجابي المتبادل. وهذا الأمر ينسحب على جميع نواحي الحياة وطرق التواصل بين الأزواج وبين أفراد الأسرة.

– طريقة التعامل مع الأبناء، فعندما يكون المحيط الأُسري للعلاقات بين الآباء والأمهات وبين الأبناء والبنات صحي ناجح، فإن تلك النماذج ستؤثر إيجابيًا على طرائق التربية إذا كانت غير ناجحة في أحد الأُسر الأُخرى المتفاعلة.

– الإساءة والعنف اللفظي والجسدي والجنسي والاجتماعي، فلا يجرؤ أحد على الإساءة بوجود الإناء المفتوح لأنه ببساطة مكشوف ومراقب.

– أنماط الحياة الغريبة كالإسراف أو البخل، فالإناء المغلق على البخل أو الإسراف قد يتحسن عندما ينخرط بين أواني أُخرى قائمة على التمتع بنوعية الحياة بشكل متوازن.

– نمط السهر الطويل وعدم الامتثال للساعة البيولوجية في النوم، فالمحاكاة هنا على مستوى الفرد وعلى مستوى الأسرة تفرض على الإنسان تغيير نمط النوم والاستيقاظ لأنه ببساطة لا يوجد من يجاري الشخص بذلك. وهذا يُقاس على أنماط الغذاء والطعام المرضيّة أيضًا.

– ويمكن تطبيق هذا السياق السلوكي على الأطفال ضحايا (التنمّر) مدرسيًا، والذين على الأغلب يدخلون في عزلة اجتماعية يفقدون خلالها مهاراتهم وعلاقاتهم وثقتهم بأنفسهم. هنا تبدو نظرية الإناء المفتوح (المخزوق) كحل مثالي، حيث تتم حالة استقطاب طبيعي لعائلات زملاء المدرسة الواعدين لخَلق إناء يعيد للطفل ثقته ومهاراته وعلاقاته بشكل مقبول وغير اقتحامي.

أما ما يحدث حاليًا من السلوك الإرهابي من قِبل الجماعات (المغلقة) على الفِكر المتطرف، اعتقد أن خزق إناء تلك الجماعات من خلال نشر أفكار معتدلة بينهم من أقنية عقلية واعية لشخوص يتمتعون بصحة نفسية متوازنة وسلوك وطني ينمّ عن انتماء فعلي حقيقي فإن عدوى هذا السلوك الإيجابي (الوطني) حتمًا ستنتشر في إنائهم المغلق، فإن لم تُصلِحهم فعلى الأقل ستزعزع معتقداتهم الراسخة وتفتق رتقهم بامتياز، وبالتالي نخفّف من حدّة انتشار فِكرهم الظلامي ومن استمرار تخريبهم للبُنى التحتية وإزهاق الأرواح والعبث في البلاد وكسر عظام العباد بعبثيتهم المدمرة.

ويمكن القياس على كافة نواحي الحياة والجوانب الأُسرية والمجتمعية والمؤسسية من حيث التواصل المحترم والكلام اللطيف، ونشر الوعي، وتقديم الدعم المطلوب لتعميق مفاهيم الإنتماء والوطنية، وترسيخ قواعد المواطنة الحقّة، ونمط الحياة المتوازن العادل لتجسير الفجوة الطبقية السافرة بين أبناء وبنات الوطن الواحد بناءً على ما سبق..

غالبًا ما يحافظ (المسيئين) المحترفين في العائلة أو المجتمع أو أي مؤسسة على أواني مغلقة، في حالات الرصد المجتمعي للآفات النفسية والمجتمعية يجب أن نوجه أنظارنا على الأواني المغلقة. فهو علاج نفسي واجتماعي غير مباشر وغير مُهين وغير مُكلف؛ فهو يُعدّل نمط الحياة بطريقة سلسة وبسيطة وربما سريعة أيضًا. في هذا العلاج نسعى نحو حالة من العدوى الطيبة الإيجابية من السلوكيات الصحية في إطار الأسرة الصغيرة والمجتمع الكبير…
فكل قرين بالمقارن يقتدي،، وتذكروا أن مياه المحيط دائمًا أنظف….   

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !