سرقة الأفكار كسرقة الأوطان

سرقة الأفكار كسرقة الأوطان
925 مشاهدة

استهلّ هذا المقال في هذا المقام بمقولة لجبران خليل جبران:- “بعضنا كالحبر وبعضنا كالورق، فلولا سواد بعضنا لكان البياض أصمّ، ولولا بياض بعضنا لكان السواد أعمى”…

في عصر السوشيال ميديا يقابل انتشار (الإسهال) في الكتابة (الإمساك) في الأفكار، فانحصرت الثقافة للأسف الشديد في التصفح عبر المواقع الإلكترونية فقط لقراءة المقالات سواء تلك ذات العناوين الجاذبة أو لأولئك الكُتّاب اللامعين. انحسار القراءة أو التثقّف في هذا الإطار لا من أجل التنوّر بقدر ما هو من أجل التسوّل – إلاّ من رحم ربي -؛ تسوّل فكري هنا وهناك لاقتباس الأفكار الجميلة الخلّاقة ونسبها للمتسول/ة على الصفحة الخاصة على الفيس بوك ليظهر كل منهما بمظهر المُفكر المثقف (الوطني) ولكنه في الحقيقة مثقفًا افتراضيًا هُلاميًا ليس إلاّ. وبقدرة قادر يتحول مُمارسي التسوّل الإلكتروني أو الفيسبوكي إلى كُتّاب أعمدة في الجرائد الإلكترونية أو كُتّاب مقالة في المواقع الإلكترونية أو نجومًا فيسبوكيين كثيري الشهرة على أقل تقدير، وشتّان بين إغرائية الوقار وإغرائية الانتشار..

أما الأخطر حاليًا على الإطلاق عندما يتحول بوست فيسبوكي يعكس وجهة نظر شخصية حول قضية ما إلى رأي عام وطني ويتم التصفيق له والإعجاب به ومشاركته على مدى واسع بعد سرقته من صاحبه الأصلي دون غربلته أو التحقق من مصداقيته أو التأكد بأنه مسروق أو منسوخ أو منقول أو حتى إن كان مُغرّضًا، فترجيح النقل على العقل هنا أمرٌ مُحال لأنه من الواجب أن يكون الأصل في النقل العقل والعقل فقط..

التشابه في الأفكار وارد وهذا أمر جميل لا نختلف عليه، لأنه ببساطة شديدة مؤشر لظاهرة صحية تعكس التناغم الفِكري بين أبناء وبنات الوطن الواحد، لكن هناك فرق كبير بين التشابه والتطابق في الأفكار إلى حدّ التطابق اللغوي (حرفيًا) من حيث المفردات والكلمات وطرق التعبير كذلك وحتى الفواصل أحيانًا !! فهذا يعكس ظاهرة خارقة للطبيعة بانتشار جينات التوائم السيامية بكثرة في الوطن تتطلب فورًا من المسؤولين إجراء دراسات مُكثفة على هذه الثورة الجينية لأنها تشي بمجتمع منسجم فكرًا وممارسة، إذن ليس من المعقول أن نعاني هذا الكمّ الهائل من المشاكل النفسية الاجتماعية والخلافات العلائقية ورفض الآخر طالما هذا الانسجام والتناغم (والتطابق في الأفكار واللغة) حاضرًا بيننا؟؟؟

الإجابة هنا تكون؛؛ أن هذا الأمر حاضرًا افتراضيًا فقط على الشاشة من خلال النسخ واللصق وسرقة تعب الأغيار ونسبه لذات المُتسوّل الفكري الافتراضي كفؤاد طفلٍ هاجسه الأول والأخير الإطراء فقط، دون حدّ أدنى من الضمير العلمي وأمانة الاقتباس الأخلاقية واحترام قانون الملكية الفكرية للإشارة سواء بالتلميح أو بالتصريح لكاتب/ة النص الأصلي أو على الأقل الإشارة أنه (منقول) وفي أقل تقدير إعادة صياغة الفكرة وصبغها بشخصية الناقل ومفرداته الخاصة !! نحن الآن في لحظة عربية ووطنية حرجة جدًا جدًا لا تحتمل النسخ واللصق أبدًا، نحن بحاجة إلى أفكار جديدة خلاّقة ونظريات متجددة راسخة مقرونة بالدلائل العلمية المثبتة للارتقاء والتطور، نحن بحاجة لحلول بنّاءة للمشاكل الكثيرة التي نشهدها حاليًا، نحن بحاجة إلى الإنتاج الفكري والعلمي والأدبي والفلسفي للتسامي ومحاربة خطاب البغض والكراهية، هنا وهنا فقط نحارب التطرف في الفِكر ونمنع الإرهاب في السلوك..

لا غرابة الآن على الإطلاق من انتشار التطرف الفِكري والسلوك الإرهابي عندما نشهد على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي يوميًا مثل تلك الأحداث المُشينة، ولا غرابة أيضًا تفشي الفساد والإفساد عندما يُمارِس تلك الرذائل مَن هم في موقع السُلطة ومن المفروض أن يكون هؤلاء قدوة للعوام ويعملون على خدمتهم لا سرقتهم، ألا يكفي سرقة مقدرات الوطن وأموال مواطنيه فوصل الأمر لسرقة أفكارهم أيضًا؟؟؟ اعتقد أن هذا الأمر قد يُغري أصحاب القرار لفرض ضريبة جديدة على (الأفكار) لتعويض العجز في ميزانية العقول والنفوس وكذلك الجيوب…

مشاهد سرقة الأفكار كثيرة وهي مُقدِمة سافرة وجليّة لسرقة الأوطان وخيانتها الصغيرة والكبيرة على حدّ سواء؛؛ فمثلًا المُتقمِّصة سارقة الأفكار (مدّعية) الكتابة عن الوطن والتي لا تتجاوز مقالاتها عدد أصابع اليدّ – وجميعها إما مسروقة أو منسوخة أو منقولة – والتي استغلت (أحدهم) فكتب لها عدة مقالات لتعليمها طرق الكتابة وإخراجها من أزمتها ثم تسرق مقالاته وتقوم بنسخ ولصق مفرداته حرفيًا وتقمّص لغته وأفكاره، وبعد انتهاء الغرض ربما بحكمة قدرية خانت ثقته وقابلت دعمه الإنساني لها بالتنكّر لأفضاله لا بل بالإيذاء الرخيص أيضًا والطعن القميء وراء ظهره مُستغلّة عدم قدرته على الردّ، فهي هنا بسرقاتها (المُنوّعة) متطرفة وستعكس تطرفها سلوكًا إرهابيًا عندما تُتاح لها الفرصة في أي موقع هي فيه حتى لو كانت وظيفتها ربّة بيت فقط، وستخون وطنها الخاص أو العام بالتأكيد لمصالحها الشخصية.

شخصية عامة في موقع سُلطة مثلًا ومن المفروض أن يخدم الوطن وشعبه وتمثيلهم والذود عنهم وتحقيق مطالبهم وتحصيل حقوقهم، عندما ينسب أفكارًا لغيره باسمه ويصفق له ثلّة المنافقين حوله بالتأكيد لن يُفوّت الفرصة عندما تُتاح لتغليب المصلحة الشخصية على مصلحة الوطن، فهذا تطرف ويشي بسلوك يُدمر الوطن ومواطنيه، فسرقة الأفكار لا تقل خطورة عن سرقة الأموال والأوطان. أستاذ الجامعة مثلًا الذي يأخذ تعب طلابه بأبحاثهم وينسبه لنفسه لحاجات الترقّي في الجامعة فهذا فِكر تطرفي وسينعكس على ما يقدمه للطلبة وسيخرج جيلًا لا يأبه بالوطن بقدر اهتمامه بمصالحه الشخصية، والأمثلة كثيرة وكثيرة جدًا، فهذا غيض من فيض يؤشر لأفكار تطرفية تُبيح المحظورات للوصول السريع بأقصر الطرق وأرخصها بطرق (الشورتكاتس) السهلة جدًا طمعًا بالظهور أو الثراء أو السُلطة على حساب الوطن والمواطن..

نحن جميعًا نعلم سواء بالسرّ أو بالعلن أن شرعية (الصمت) عن الفساد والفقر والسرقة والغلاء الفاحش والقهر والظلم والتطرف والإرهاب هو (الأمن والأمان) فقط؛؛ الأمن النفسي، الاجتماعي، الغذائي، البيئي، الصحي، و(الفِكري)، لا شيء آخر على الإطلاق، وأكاد أجزم هنا ولا ادّعي على هذه الثنائية (الصمت مقابل الأمن).

فيا حبذا لو يكون توجه الحكومة الحالي فيما يتعلق بقانون مكافحة الإرهاب عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن يسبقه قانون يقوم على (تقنين) المنشورات الفيسبوكية، وضبط محتواها، وفرز الغثّ من السمين منها، وحماية الملكية الفكرية خصوصًا لأصحاب القلم الخلاّق المتجدد (لا المسروق) والفِكر الحُرّ المؤثر (المثقف العضوي) بشكل أكثر صرامة مما هو عليه حاليًا، وأن يتم تطبيقه على الجميع دون استثناء أو حصانات أو واسطات. فسرقة الأفكار كسرقة الأوطان لا فرق، وللكرامة عنوان….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !