لا تقترب أكثر !

لا تقترب أكثر !
1٬999 مشاهدة

كل شيء في الحياة يُمكن قياسه؛ فالزمن مثلًا يُقاس بالأيام والشهور والسنين، وتُقاس المسافات بين الأماكن بالأمتار والأميال، وتُقاس الخِبرات بالعلم والمعرفة والتجارب الشخصية. أما العلاقات الإنسانية فتُقاس بمدى التوافق أو الاختلاف في العقول والميول والأمزجة، ومدى التجاذب أو التنافر في العلاقة، ومدى الرفض أو القبول للآخر، عن طريق المسافة الشخصية (الاجتماعية) بين الأفراد.

لكل إنسان حيزًا شخصيًا، ومسافة محيطة به، وأي انتهاك لهذه المسافة بطريقة (تعسّفية) دون إذن أو رضا، قد يتسبب في حدوث مشكلات. وتعتبر سعة المسافة الشخصية وضيقها من المؤشرات المهمة في تحديد شعور الإنسان سواء الشعور بالراحة أو الانزعاج؛ وبالتالي تؤثر على الطريقة التي يتصرف بها في التعبير عن تلك المشاعر، الأمر الذي يقود إلى حالة من اثنتين لا ثالث لهما: فإما اللجوء للعنف بجميع أشكاله أو إلى تحقيق الرضى والإشباع في العلاقة مع الآخر.

تختلف المسافة الاجتماعية وأبعادها وتعريف (الحيّز الشخصي) من شخص لآخر؛ فهناك من يُحبّ التقرب إلى الآخرين أو أن يقربهم إليه حدّ اقتحام الحياة الشخصية والخصوصية، ويرغب أن يكون حيزه ومحيطه الشخصي مملوءًا بالناس والأشياء، ويستمد حيويته وطاقته من مشاهدتهم والتحدث معهم ومشاركتهم همومه وأفراحه. وهناك من يُحبّ أن يكون حيزه الشخصي بعيدًا ومحدودًا، ولا يتحمل غزو الآخرين أو اقتحامهم لحدوده ومسافته الشخصية. ولذلك فإن كثيرًا من المشاكل قد تحدث بين النوع الأخير والآخرين بسبب اقتحام أولئك (للخطوط الحمراء) التي وضعها الشخص لنفسه قد تصل حدّ القطيعة أحيانًا.

تُفسّر المسافة الاجتماعية وحدودها مدى قوة العلاقة بين الأفراد، ومهما بلغت درجة القرب في العلاقات يجب أن تُحترم المسافة الشخصية بحدودها الدنيا على الأقل، ولا يعني احترامها وعدم انتهاكها (جفاف المشاعر) وضعف العلاقة، وإنما يشير إلى احترام الذات واحترام خصوصية الآخر. وبالتأكيد تختلف المسافة الشخصية باختلاف مكانة الشخوص (المهمين) في حياة الفرد ومدى قربهم أو بُعدهم ونوع العلاقة رسمية أو غير رسمية. لذلك يجب احترام المسافة الشخصية مع الآخر مهما كانت العلاقة حميمية، الأمر الذي يؤدي إلى ديمومة العلاقات وتخفيف حدة سوء التفاهم والمشاكل الاجتماعية الناجمة عن اختراق المسافة الاجتماعية والحيّز الشخصي.

إن سرّ نجاح العلاقات وديمومتها هو إتقان (فنّ) وضع المسافة وحدودها ومداها مع الآخر.. فلا تقترب أكثر وخليك بعيد عند حدود المسافة المسموحة حتى لا تخسر العلاقة والناس وتجنّب نفسك الرفض والكثير من المشاكل…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !