مأ (تمّ) وطني

مأ (تمّ) وطني
1٬151 مشاهدة

لا مناص أمام الجميع الآن من قراءة نفسية اجتماعية واقعية معمّقة لحملة المقاطعة (تمّ)، نتيجة للاتفاق الظاهري بين المجاميع مُتباينة المواقف بالعادة، وذلك بعد رفع الأسعار الخانق والضرائب الكثيرة ومشاهد الفساد المتكررة والظواهر غير المألوفة في أردننا حاليًا، لتجنب وقوع (المأتم) الوطني المحظور – لا سمح الله -..
فإذا كانت الذات الرسمية هي (ذات عامة) فإن الذات الشعبية هي مجاميع (ذوات شخصية) لا تصل إلى مستوى العام إلاّ عند الإجماع العارم، وهنا مكمن الخطورة…

إن عدوى السلوك الجمعي وعدوى المشاعر الجمعية ما هي إلاّ نتيجة حتمية لمطرقة الغلاء وسندان الفساد، سلوك ينبع من أفكار مُلفتة للنظر وتثير الفضول بالبحث والتحليل؛ لأن الفكرة الإنسانية غير قابلة للتقولب (قسرًا) دائمًا، وغير قابلة أيضًا للخنق أو الحشر، إنها كالهواء الذي يتقبل الاستنشاق من أية (رئة) على سطح الأرض باستثناء تلك المُهترئة أو الضعيفة أو المُنتحرة أو الميتة..

لكل مواطن منظومة من الدفاعات النفسية مهما اختلفت شخصيته أو تباينت معرفته وثقافته، ومهما كان حياده اتجاه القضايا الوطنية، وتظهر آليات الدفاع النفسي وقت الحاجة أو عند (قصف الجبهة) إن جاز التعبير، هدفها الحفاظ على تماسك الشخصية والظهور بمظهر لائق لا يهدر ماء الوجه ولا يبعث على النقيصة. كفاءة استخدام الدفاعات النفسية المناسبة تختلف من شخص لآخر، وقد يترتب عليها تبعات خطيرة قد تقلب (الترسانة الدفاعية) إلى وبال شديد على صاحبها وعلى الآخرين وربما على الوطن أيضًا..

إن الدفاعات النفسية الشعبية باتجاه التطورات الأخيرة في الأردن هي المُحددة لطبيعة ردّ الفعل الشعبي وتصرفاته وتعبيراته التي بدأت تتعدّى (السقوف) بشكل مُلفت للنظر بنص فكاهي تارة ونصوص نارية تارة أُخرى في جميع وسائل التواصل الاجتماعي، كنتيجة حتمية لقلة الحيلة والوسيلة، وبسبب التحرّر من عقدة الخوف نحو مزيد من الخسائر، فللأسف الشديد لم يبقَ لديهم مخاسر أكثر!! من المعلوم أن الموقف الشعبي والرسمي يلتقيان على ضرورة نزع فتيل الخطر عن الوطن، ولكن الدفاعات النفسية الشعبية المختلفة في الوقت الحالي تتراوح بين الصاخبة المتحمسة للتمرّد هنا وربما العنيفة الغاضبة هناك بعد أن كانت في كل الأوقات (السابقة) باردة وهادئة..

إن الشعب الأردني يمرّ الآن بحالة من التناقض المعرفي (اللانسجام المعرفي) وتعني التباين ما بين الاتجاهات مع الأفعال، فإما الاستمرار في حملة المقاطعة بتخبط واضطراب وتشرذم، أو الانسحاب بخبرة صادمة والعودة للإذعان الإجباري في هذه الحالة (لا الاختياري) للغلاء وإنقاذ أزمة الوطن المالية من جيب المواطن المسكين فقط..

قطعًا، لا نستطيع أن ننعت ردود الفعل الشعبية حاليًا وتعبيراتهم بأنها ذات منبع أناني أو حتى ذاتي، فمن البديهي جدًا أن توجهاته نحو العنف والمقاطعة والعصيان والتجمهر مردّه لُقمة العيش أولًا ثم الخوف على الوطن بعد أن كان الأخير دائمًا أولًا. لا نستطيع أن ننفي أن سياسة سدّ العجز المالي من جيب المواطن الفقير المعمول بها عقود من الزمن، قد مضت هكذا دون ذيول ورواسب على نفسية المواطن الأردني، وواهم جدًا من يعتقد أنها لم تُحدِث أثرًا في تقسيم النفوس وتركها رهنًا للمصالح الذاتية. ولكن،، حتى لو كان الغضب الشعبي أو استنكاره لاستباحة جيبه على حساب خبزه وتعليم أولاده ذا نشأة ذاتية، فهو كذلك إن كان فيه آليات حميدة تمنع ما لا يُحمد عقباه..

الأحرى بالحكومة الآن أن تتعامل مع الدفاعات النفسية الشعبية بدرجة من النضج والتمحيص بمستوى الرفض والغضب الشعبي، كيف لا وهي من المفروض أنها تُمثّل هذا الوطن بمواطنيه ومؤسساته ومصالحه.. الشعب يريد توليفة – لا أدري ما هي – تعمل على دمج الغضب مع (الحكمة) دون انتحار أو استسلام أو جلد الآخر وقمعه لمجرد الرفض أو حتى الاختلاف.. فلا تكونوا مولعين باللعب في النار على قناعة خاطئة بأن قفازاتكم الصلبة ستنجيكم من الحريق والاشتعال، ولا تكونوا كالعالِمْ المغرور الذي يدير مختبرًا للسموم مُقنعًا نفسه بالمناعة من الضرر وبالسيطرة التامة…

كنا في الأردن وما زلنا الأقرب من العرب إلى مأساة العرب، وقد كُتب علينا مثل فرسان نابليون أن نبقى في وضعية الوقوف، فما كان يُقلقنا من الهمّ العربي سابقًا أثقل كاهل قلقنا الآن بهمومنا المحلية وربما أكثر، وبعد أن كنا نتسامى عن الحدود إلى العربي اللامحدود أرهقتنا (قلة النقود)، وانتقلنا من اهتمامنا بكرامة العيش إلى لقمة العيش، فرجحت كفة الخبز مع الكرامة لضيق الحال، فطغى الهمّ الأردني الواقعي الطاحن على الحُبّ الرومانسي العربي الماجن..

ضمن هذه الرؤية المُثقلة بالهمّ الوطني يصعب على الأردنيين الآن أن يكون لهم مشاعر (قومية) مُدعاة للتفاؤل إلاّ في حال انعدام أزماته الداخلية المُتتالية على التوالي، وهيهات انعدامها إذا بقي الحال على ما هو عليه… ونحن هنا مرعوبين من انتقال قسمات الغضب والعنف إلى الأجيال القادمة (بالجينات)، عندها لن يفيد تغيّر الظروف حتمية البيولوجيا…

نحن الآن أمام خيارين أفضلهما مرّ بمرارة اليأس؛؛ فإما أن (يكبر) الأولاد أو أن (يتقزّم) الوطن… الاختيار هنا ما بين هذا وذاك هو مأ(تمّ) الوطن الحقيقي…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !