(ياني) ياني يا تاعبني وحبيبي ما داريبي

(ياني) ياني يا تاعبني وحبيبي ما داريبي
1٬234 مشاهدة

إذا كان ثالوث الحياة للعيش هو (الماء، والكلأ، والهواء)، فيكون الاستمرار بنوعية العيش والارتقاء والتسامي للتخلص من ضجيج الحياة، وتلوّن البشر، وتلوّث العقول، وفقر الأخلاق، ودناءة النفوس، وقلة الحال والحيلة، بتزويد الثالوث الأساسي للعيش (بالموسيقى)، هنا فقط تكتمل رباعية الحياة…

الموسيقى واحدة من الأسس الجوهرية للبناء النفسي الصحي للإنسان، لأنها تُشعره بجمالية الحياة وتُزيد من قدرته على التوافق مع متطلباتها والتكيف مع ضغوطها المتواصلة. فهي تُحاكي الجانب الوجداني؛ لأنها لغة عالمية تُوحّد البشر وتتجاوز الحدود والحجر لاسيّما الاختلافات والفروق الفردية والثقافية على حدّ سواء. من يستطع أن يكره الموسيقى وأمانها وجمالها؟؟ من يستطع أن يكره نفسه ويبغض حسّه؟؟ من يستطع أن يُلغي ذاته ويستنكر حياته؟؟ فمن استطاع ذلك إما مريض أو بغيض والأرجح للأخير..

فالموسيقى غير قابلة للكره وعصيّة على النفور، على الأقل من قِبل أولئك المحتفظين بعقولهم وأخلاقهم..

ومَن يكره أيضًا الموسيقار اليوناني العظيم (ياني)؟؟ ومَن يكره موسيقاه الجميلة التي تدغدغ المشاعر فرحًا وتُحاكي الروح سلامًا وتُؤجج العقل أمانًا؟؟؟ لست اعتقد أن هناك من يبغض (ياني) ويمتنع عن حضور حفلاته إن كان بمقدوره، أما الضجة التي أُثيرت مؤخرًا رفضًا لحفلته الموسيقية المنوي إقامتها في العقبة هو رفضًا (للتوقيت) وغضبًا من (ازدواجية المعايير) ليس أكثر.

والدليل على ذلك، أن هذا الموسيقار الراقي أقام حفلًا موسيقيًا رائعًا قبل عدة شهور هنا في الأردن وحضره فئات كثيرة من الشعب الأردني بشكل مُلفت للنظر وصادم في ذات الوقت، بأن هذه النسبة من الأردنيين من كافة الفئات العمرية والشرائح المختلفة تعرفه وتهافتت على حضور حفلته رغم ارتفاع سعر بطاقة الحضور آنذاك، وكان حفلًا ناجحًا بامتياز ومنظمًا جدًا كذلك.. ولكن،، ما حصل هذه المرة هو تزامن التهافت على تنظيم حفلته (المُكلفة جدًا) مع غليان الشارع الأردني بعد ارتفاع الأسعار الخُرافي والدعوة إلى سياسات التقشف من أجل الوطن، فكيف للوطن ومواطنيه أن يصمت أو يسكت أمام هذا الخطاب المزدوج السافر؟؟ إذن المشكلة هنا ليس كما طبّلت الأبواق الفارغة وتهافت المُغرّضون للصيد في الماء العكر لمصالح شخصية آنية مُدّعين بأن الشعب الأردني لا يملك أُذنًا موسيقية ولا يُقدّرها أو هو مخالف فقط – أي الشعب – لأي طرح حكومي!!

أقول لهؤلاء لا وألف لا، ولكن الشعب الأردني جائع، ومُنهك القوى، وخائر الجسد، ولن يستمتع بسماع الموسيقى وإطراب أُذنيه قبل إشباع معدته وأولاده. معادلة واضحة لا تحتمل التسحيج والتأويل أو عبقرية الاجتهاد والعويل..

نهج الخالق في أنحاء المعمورة توزيع الهبات وتنويعها بين فرد وآخر وبين مجتمع وآخر، فإن كانت الأردن قد حُرمت من الموارد الأرضية وعانت من شحّها كالبترول وغيرها إلاّ أنها عُوّضت عن ذلك بالآثار السياحية للحضارات السابقة التي حطت على أرضها وشادت حضارتها هناك، وأصبحت محط أنظار السُيّاح من جميع أنحاء الأرض. وما يحقّ حقيقة للأردن أن يفاخر به بالإضافة إلى ذلك هو كثرة الخبرات الفردية والمصادرالبشرية الفاعلة على أرضه، ففقره بالذهب والمعادن عوّضه بغناه بالمعدن الذهني والخبراتي لدى مواطنيه كثيري الكرامة..

الأولى بنا شعبًا وحكومة الحفاظ على سلامة تلك الآثار ونظافتها، فهي (كرت الجوكر) الذي تبقى لدينا لنُزيد رأسمالنا الوطني ونُبقي على كرامتنا أمام وحشية البنك الدولي ومديونيتنا المتصاعدة له. إصلاح وترميم تلك الآثار والمرافق الصحية المرتبطة بها هي ما تُجذب السيّاح وتبيّض وجه الأردن عالميًا، أما محليًا فبدلًا من هروبنا من سياحتنا الداخلية إلى الخارج لأنها أقل كلفة وأكثر نظافة ومتعة، الأولى لنا أن نُحرك السياحة الداخلية ونُشجع على زيارة الأماكن الأثرية والمحميات الطبيعية الجميلة – التي لا يعرفها أغلب الأردنيين – بأسعار تشجيعية للجميع خصوصًا لأصحاب الدخل المحدود. اعتقد مثل تلك الاجراءات تُشجع السياحة الداخلية وتُزيد الدخل الوطني من السياحة حكمًا؛ لأن العدد سيكون أكثر بكثير من حضور حفلة تستهدف ذوي الدخل المرتفع فقط وهم القلة. ألا يستحق السواد الأعظم الترفيه داخل الوطن؟؟ ألا يستحق منّا الوطن ترويج سياحته محليًا وعالميًا بطرق أقل كلفة وأقل استفزازًا؟؟ إنه فنّ التوقيت وفنّ التخطيط لا بل فنّ الترويج، والفنون جنون…

يا حبذا لو يمتد تأثير الموسيقى على عقول السواد فتُنسي ما لا يُنسى، وتمحق ما لا يغيب من المواقف المريرة التي تركت لدى المواطنين غضبًا، وثورات كبرياء، ورأيًا عامًا جازمًا. ولا تكاد تغيب سنين قليلة ليعود مقترفو مرارة الناس ووجعهم بحلّة جديدة مُكلّلين بسياسات أكثر إجحافًا من سابقتها على حساب الوطن والمواطن الفقير..

لم يعد بمقدور المواطنين المأخوذين بحُمّى حاجاتهم الذاتية وهستيريا الاستمرار الإصغاء لناقوس الخطر ونواميس الوطن، فعقود من الظلم والإجحاف والعوز المتصاعد ترى الموسيقى الآن فلسفة عبثية (وترف) لا يُليق بهم، إنه الواقع الأليم الذي يُحاسب كما يُجازي ويضرب، ويردع كما يكافىء ويُمتع..

هو التاريخ الذي يُوثّق (القوائم السوداء) مُلوّحة بالازدراء والفناء لمن تُسوّل له نفسه أن يُعامِل الوطن كبقرة حلوب معطاءة وحسب. الوطن الذي يحمي ويعطي ويُقدم لمواطنيه جميعًا بعدالة مُطلقة هو وحده فقط من سيجعل روتينية الانتماء ولهفة الفداء وتحمّل العناء تمامًا كروتينية الغذاء والهواء والماء… عندئذٍ فقط تكتمل رباعية الحياة بالموسيقى

أقول كما قال الفيلسوف الصيني (لاو_تسي) “اعتنوا بالفنون واهتموا بثقافتها تتخلصون من المُجرمين وتقطعون دابر اللصوص والفاسدين”… وأضيف هنا : أتقنوا فنّ التوقيت..

وأختم المقال بمديحٍ للفرحين الذين يصنعون فرحهم بعد الكدر والألم… فطوبى لهم وطوبى لمن ما زال إلى الآن (يُغنّي) … كن صامتًا أو ميتًا طوبى لمن يُغنّي “وحبيبي ما داريبي”… فالغُنى سرّ الوجود…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !