مش دبّانة دي قلوب مليانة

حسرة - مش دبّانة دي قلوب مليانة
1٬027 مشاهدة

ما يظهر علينا جميعًا من تفاعلات نفسية وسلوكية في هذه الحقبة الزمنية المحلية والعربية العصيبة (حقبة العجائب) تقترب كثيرًا من حالة (حسرة الحداد) والفقد في التشخيص النفسي، فالتفاعلات هي ذاتها التي تلي موت عزيز أو فقدان حبيب أو ضياع الأمل. الفرق هنا يقتصر أن الحداد الاعتيادي يحمل صفة (فردية) باقتصاره على ذوي الفقيد، في حين أن الحداد العام في هذه المرحلة يحمل صفة (جمعية) بشموله السواد الأعظم في الحداد الوطني والقومي في الوقت نفسه. إن التطرق لهذا الموضوع بات أكثر إلحاحًا في هذا الوقت بالذات من أي وقت آخر؛ وقت انعقاد (القمة العربية) القادمة: مطمح الأوطان الهزيلة ومأمل الشعوب العربية الفقيرة..

وهل هناك (حسرة) حداد أشدّ وأنكى من رؤية القتل والدم والتشويه وتهديم البيوت وتمزيق الأوطان وتهجير الشعوب والموت الفردي وبالجملة؟؟ أم هل يوجد خطورة تستدعي (الحداد العربي) أصعب من استشعار عدم مصداقية العالم، وفقدان بوصلة الاتجاه، وهُلامية العدالة، وسيادة قانون الغاب؟؟؟ إن عجزنا عن تحقيق (حلمنا العربي) الكبير وارتباطنا الوجداني بمشاريع كبيرة تحمل صفة القومية – ربما حلم أكبر من مقاسنا – على الرغم من اختلاف آرائنا وأهوائنا، جعلت من كل مواطن فينا صاحب (بيت عزاء) يُعاني حسرة الحداد وحرارة الفقد، ولكن كُلًا على طريقته الخاصة تختلف باختلاف مدى شدة الارتباط بالوطن الصغير والكبير على حد سواء..

هذا الحلم العربي جعلنا نتشبث بمنطاد هواء عملاق بحجم حلمنا على أمل الارتفاع والتحليق عاليًا بعلوّ الحرية وسموّها لإشتمام شذاها، ثم نكتشف بلحظة واحدة ونحن على ارتفاع (غير مأمون) أن هذا المنطاد الموهوم ما هو إلاّ (فقاعة) مصيرها أن تهوي بنا إلى القاع تاركة فينا رضوضًا وإعاقات عديدة، وهذا هو حالنا في الوقت الراهن، إصاباتنا هنا دون شك على الإطلاق (نفسية) بحتة تأخذ شكل العواطف والسلوكات والانطباعات المسكونة بِ حسرة الحداد والخذلان وفقدان الأمل وتهاوي الحلم العربي..

ردات فعلنا الأولى باتجاه الأزمات المحلية والعربية غدت تأخذ شكل (الخدر العاطفي) قد تصل حدًا أعلى أحيانًا تقترب من (التبلّد العاطفي)، بسبب توالي الصدمات والفجائع العربية وتكرارها بمشاهد مأساوية تارة وهزلية تارة أُخرى. تلك المشاعر هي خليطة غير مفهومة ولكنها حقًا مُرهقة جدًا، فمشاهد (الذهول) على وجوه بعضنا بعد كل حدث ما هي إلاّ نوع من الحذر العاطفي وهو أيضًا متوقع. أما البعض الآخر منّا يتميز باستخدام الدفاع النفسي الأكثر شهرة وهو دفاع (الإنكار) ويظهر على ردات فِعلهم وطريقة تفاعلهم مع الأحداث، كاعتقادهم مثلًا أن معجزة ما ستحدث لا محالة ستخلصنا من أعداء الأمة، وستُعيد لنا وطننا المسروق، وستوحد ما تفرّق من الأوطان، وستُلمّ شمل من تشتت من الشعوب، وسترتق فتق العروبة بخيوط سحرية تقلب الحسابات جميعها!! للأسف هؤلاء لا يزالوا إلى الآن في حالة الإنكار رافضين تقبل الواقع المرير ومُعطيات المنطق البسيط. ندعو لهم بعودة محمودة إلى بوتقة المنطق والواقع الحقيقي لا الخيالي..

المرحلة الثانية التي تلي الصدمة في حالة حسرة الحداد العربي هي ظهور مشاعر واضحة حادة من الحزن، والانسحاب الاجتماعي، والتجنّب لأحاديث وأخبار العرب والحرب، ثم تتغير النظرة إلى العالم والحياة والمبادىء، وقد تترافق مع اضطرابات جسدية وبيولوجية مزعجة أغلبنا يعاني منها، والأخطر عندما تسود فكرة فقدان الأمل بالمستقبل مما يدعو إلى ضعف الهمّة وضعف الإنتاج وقلة الاهتمام بكل شيء قد يصل أحيانًا حدّ إنهاء الحياة أملًا في حياة أُخرى أكثر أمانًا وعدالة..

ولكن من المفترض بنا بعد كل تلك الهزائم والأزمات أن نُدرجها إلى ملف خبراتنا وتجاربنا المُرّة ونستفيد منها، فالجانب المليء من الكأس يُفيدنا بقدرتنا على الخروج من تلك الأزمات بخبرات مفيدة حتى لو كانت صادمة، وبآليات تعامل أكثر نجاعة، وبقدرة أكبر على الصمود أمام العاصفة، وما أكثر العواصف.. ومن المفترض أيضًا أن نُعيد صياغة أفكارنا ومعتقداتنا ونُعيد النظر في إنجازاتنا، فالأفكار كالأسلحة تتبدل بتبدل الأيام، والذي يُريد أن يبقى على آرائه (العتيقة) هو كمن يريد أن يُحارب الرشاش بسلاح عنترة بن شدّاد أو يُحارب الدبابة بوابل من الشتائم..

نحن جميعًا في الأردن وفي الوطن العربي الكبير نرقب بتوجس (قمة عربية عملاقة) تقاوم فينا الداء بضراوة الأشاوس، وحُريٌ بنا أن نتوقع الأفضل هذه المرة؛ فكفى بنا أن نبقى مشدوهين بين خذلاننا لتلك القمم قبل انعقادها وخذلانها لنا بعد اجتماعها، فالعِبرة لمن يعمل على (مناعة) قادمة يسقط على جدرانها ذلك الداء المسرطن؛؛ (فدرهم) وقاية خير من (برميل) علاج أو (صهاريج) سلاح…

(عودة المكبوت) هي حالة تظهر عند الأفراد الذين طفح الكيل بهم نتيجة ظروف قاسية متتالية، أو نتيجة لتعرضهم لحدث صادم فجّر لديهم ما لم يكونوا يتوقعوه، حيث لا شيء يضيع من الذاكرة. إن عودة المكبوت حالة يخشاها الفرد المأزوم ويستغرب عمقها وأبعادها؛ فنجده فرحًا مرة وقلقًا حزينًا ساكنًا مرات، فتختلف ردّات فعله عليه نتيجة لحدث مفصلي في حياته الخاصة أو العامة، فيصبح مفصله النفسي ما قبل الحدث وما بعده، مما يُفجّر لديه قمقم مختوم فقد السيطرة على استخدام الكفوف عليه التي جربها من قبل وتجاوبت معه. هذه الحالة الاضطرابية تُقسم الزمن لديه إلى شقين: قبل وبعد، زمن انتهى وزمن ابتدى، منذ الحدث المفصلي الذي حرك طاقاته. وبما أن الزمن متصل لا ينقطع واتجاهه واحد إلى الأمام فقط، ولا يمكن أن يقف ويعود إلى الوراء، تصيبنا تلك الأحداث المفصلية التي كنا نُعلّق عليها الآمال الكثيرة (بويلات) الحسرة والخذلان والتقاعس والشعور بالضعف والعجز والهزيمة ونصل لمرحلة (اللافعل) ونتمنى العودة للماضي مهما صعُب. وهذا ما حدث تمامًا في الوطن العربي بحدثه المفصلي الهام ما سُميّ بالربيع العربي، فأصبح المفصل التاريخي العروبي الأحدث ما قبل الربيع العربي وما بعده..

نحن الأردنيون كما كثير من العرب الشرفاء بهويتنا الوطنية الجامعة ما زلنا قابضين على جمر الوفاء للوطن العربي ولا نحتمل حالة الغموض ولا الفراغ ولا النصر الكاذب، فلا يسكرنا انتصار ولا يخملنا انكسار؛ فنحن كالعائمين على بُحيرة من السعادة ينعكس على صفحتها أديم السماء..

أخيرًا أقول: طوبى للفرحين الذين يصنعون فرحهم بعد الكدر والألم..
استحضر هنا وبشدة أوبريت الحلم العربي: “أجيال ورا أجيال حتعيش على حلمنا والي نقوله اليوم محسوب على عمرنا، جايز ظلام الليل يبعدنا يوم إنما يقدر شعاع النور يوصل لأبعد سما، داه حلمنا طول عمرنا حضن يضمنا كلنا “…

لا بديل أمامنا اليوم سوى الحفاظ على حلمنا، لعلّنا نصل يومًا ما إلى حُضن عربي يضُمّنا كلنا كلنا، فنتخلص هنا من الدبّانة وبنفضّي قلوبنا المليانة…
نُعلّق على القمة العربية القادمة همومنا وآمالنا وحلمنا العربي الكبير….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !