ماذا فعل (الميّت) للعروبة ؟

ماذا فعل (الميّت) لِ العروبة ؟
1٬307 مشاهدة

منذ الثورة العربية الكبرى إلى احتلال فلسطين حتى الربيع العربي لم تُوحّد (القمم العربية) العرب بقدر ما وحّدهم صوت الأُغنية العربية من الشباب العرب في برامج المسابقات الغنائية المشهورة فضائيًا والأكثر مشاهدة عربيًا.. العروبة

فلنعترف يا معشر العرب ولنواجه الحقيقة وإن كانت مُرّة؛؛ فإلى الآن لا قمم عربية وحّدتنا ولا جامعة عربية جمّعتنا، ولم يلملم شملنا وجمع شتاتنا سوى الأُغنية والصوت العربي الأصيل.. فلنحافظ على الشعرة الأخيرة بوحدة العرب (بالفنّ) في الحدّ الأدنى لعلّه يُنسي ما لا يُنسى، ويمحق ما لا يغيب من المواقف المُريرة التي تركت لدى الشعوب العربية غضبًا، وثورات كبرياء، ورأيًا عامًا جازمًا..

العروبة الأصيلة أو (القومية) قد ماتت رحمة الله عليها والميّت لا يعود، فلنواجه الحقائق مهما صعُبت ولنتعايش مع نموذج العروبة الحديثة، وحتى نستطيع الولوج بها ثقافيًا وفكريًا نحتاج منهجًا مغايرًا عمّا سبق يتناسب مع متطلبات المرحلة حتى لا نخرج من التاريخ نهائيًا بلا عودة، ربُما فرصة العودة ما زالت مُتاحة والعلم عند الله. فللأسف الشديد إن خروج العرب من التاريخ الحديث قد شظّى المنطقة وأدخلها في وحل (سياسات الهوية)، وسيّس الانتماءات وشرذمها، ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ بل تم إعادة رسم المنطقة العربية حسب تصورات (الآخر) ومصالحه على حساب العرب ومصالحهم، حيث أُعيد تفصيل ثوب العروبة على مقاس مصالح ذلك الآخر وعلى مقاس عدوٍ آخر بعيدًا كلّ البعد عن عدوّ العرب الأصلي بل الأزلي على أقل تقدير..

المفارقة هنا؛ أن العرب أمسوا بلا قضية حقيقية وأصبح الجشع والانتهازية والتآمر على بعضهم والفتن الداخلية والحروب الأهلية والتنافس الشرس وأخلاق السوق المتوحشة واللبرلة الاقتصادية الديناصورية هي عناوين العهد الجديد للعرب. اعتدنا على جميع القمم العربية أن تأتي متأخرة عن أوجاع الشارع العربي وهمومه ورغباته ومطالبه، فخاصمت بذلك العروبة ولم تقرأ الواقع العربي الفعلي دون تحيز، فتهاوت أحجار الدومينو العربية على الرغم أن العرب في أقطارهم المختلفة ظروفهم متشابهة ويشتركون في ذات القضية والهموم والوجدان والآمال والتطلعات. يا سلام عليك يا أحمد مطر عندما قلت: “خنقوا بحُرياتهم أنفاسنا كي يستعيدوا موطِن الإسراء، وصلوا بوحدتهم إلى تجزئتنا كي يستعيدوا موطِن الإسراء”…

على الرغم من تجنبي استخدام كلماته قبل القمّة العربية الأخيرة – الثامنة والعشرين – إلاّ أن ما تمخّض عن (قمّة الأحياء في القاع الميت) كان عصيًا على التجنّب هذه المرة، فعلى قدر القمم تكون الهمم، وتأبى الخلافات العربية أن تفارق أهلها..

البيان الختامي للقمّة العربية الأخيرة حمل الحدّ الأدنى من التوافق العربي إزاء القضايا العربية المُلحّة جدًا دون أن تُقدم أي مبادرة ملموسة لحلّ أي من هذه الأزمات للأسف الشديد. ففي ظل الانقسام المقيت والخلافات المتفاقمة والتشرذم العربي العربي، ترك العرب لغيرهم أمور حلّ الأزمات التي تعصف بدولهم ابتداءً بسوريا مرورًا باليمن وانتهاءً بليبيا، أما خاصرة العرب فلسطين فحدّث بلا حرج…

قبل انعقاد هذه القمّةّ كانت آمالنا كبيرة جدًا وقد عوّلنا عليها بشدة وكأنها طوق النجاة الأخير للوطن والعروبة، فعبّرنا عن (آمالنا) وهواجسنا ومطالبنا بمجموعة من (الهلاّت) – من هل – أما بعد انتهاء (قمّة الميّت) وبعد تصاعد معاناة الشعوب العربية سوءًا سنقدم (آلامنا) وخذلاننا بمجموعة من (الماذات) المشروعة – من ماذا – …

ماذا قدمت تلك القمّة العربية الأخيرة لوقف موجة الاستيطان الاسرائيلي المسعورة في الأراضي الفلسطينية ؟؟
ماذا أنجز عرب القمّة لإنهاء حالة الانقسام الفلسطيني والمصالحة بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس؟؟
ماذا فعلت قمّة العرب لتحقيق التوافق العربي وإنهاء الحروب الداخلية التي تواجه بعضها؟
ماذا حققت قمّة القاع لوقف التدخل الخارجي في الشؤون العربية الداخلية ولفرض واقع يخدم مصالح العرب أولًا ؟؟
ماذا قدمت قمّة الميّت من الجديد للأحياء العرب؟؟
ماذا فرضت تلك القمّة على اسرائيل ليعمّ السلام والاستقرار في الشرق الأوسط؟؟
ماذا تمخّض عن القمّة التي عقدت في القاع نحو حل للأزمة السورية (أسوأ أزمات المنطقة في التاريخ المُعاصر على الإطلاق) كما سماها ابو الغيط ؟؟
ماذا حقق العرب الأحياء في قِمّتهم بالميّت للأموات من الشهداء والأحياء من اللاجئين من الشعوب العربية المأزومة ؟؟
ماذا اتفق العرب في قمّة القاع للخلاص من داعش وأخواتها ووقف نزيف الدم العربي؟؟
ماذا فعل العرب لمواجهة تحدياتهم بانقساماتهم المشهودة والتي شهدت عليها قِممهم المعهودة ؟؟

وما زالت الحِكمة القديمة المشؤومة (اتفق العرب على أن لا يتفقوا) حاضرة بشدة في الوقت الحالي، (وهي) فقط ما اتفق العرب عليه إلى الآن؛ فالقمة العربية الفُضلى (المأمولة) هي التي لم تُعقد بٓعْد وأخشى عليها غيابها للأبد..

أختم ببعضٍ من كلمات الشاعر الفلسطيني عبد الفتاح أبو سرور في مرثية (حنظلة) للقمم العربية:- قال حنظلة ويداه معقودتان خلف ظهره كعادته: أكتب إلى كل أصحاب السيادة والفخامة والسموّ “شكرًا لكم، ثم شكرًا لكم، ثم للمرة الثالثة شكرًا لكم من كل طفل من أطفالنا وأطفالكم”…

وحدة العرب أهم عامل لاستقرار المنطقة وحتى يجد شعوب العرب مستقبلًا يواكب طموحاتهم وتزول خنقتهم وتخفّ أزماتهم المرهقة جدًا.. طوبى للعروبة ولا عزاء للعرب…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !