لماذا تشتبك الزُهرة مع المرّيخ ؟؟

لماذا تشتبك الزُهرة مع المرّيخ ؟؟
1٬124 مشاهدة

الاختلاف بين الزُهرة (المرأة) والمرّيخ (الرجل) لا يعني الخلاف، وليس بالضرورة أن يؤدي اختلافهما إلى خلافات واشتباكات دائمة بينهما. وللتوجه نحو علاقة صحية أبدية لكِليهما من الأجدى بهما توظيف الاختلاف بينهما على قاعدة “التكامل والتكميل” وليس على قاعدة “القيادة والتبعية“. فليس من المقبول أن تكون العلاقة بينهما فيها قائد وتابع أو قوي وضعيف، وإنما من المفروض أن تكون علاقة (شراكة) كاملة متكافئة مليئة بالعدالة والعطاء والمشاركة، بخلاف ذلك يغدو كل منهما أقطاب متضادة وكأنهما (أعداء) وتتحول العلاقة بينهما إلى حلبة مصارعة..

من المعلوم أنه يوجد فروق بيولوجية بين الجنسين ينجم عنها وجود احتياجات مختلفة واهتمامات متباينة وردود فعل غير متشابهة، ويوجد أيضًا فروق اجتماعية ثقافية في طريقة تنشئتهما من البديهي جدًا أن تقود إلى طرق تفكير مختلفة ورؤى مغايرة.

يبرز الاختلاف بين الزُهرة والمرّيخ بشكل صارخ في المواقف الخلافية تحديدًا، لأن كل منهما قد تطور لديه منذ الطفولة “نظام ترميز” خاص به/بها Coding System؛ هذا النظام يقوم بتحليل الشيفرات Signals لسلوك الآخر. فالرجل يُفسّر سلوك ما بطريقته في حين أن المرأة تُفسر السلوك نفسه بطريقة مختلفة تمامًا، وهذا لا يعني أن أحدهما على صواب والآخر مُخطىء !! كيف لا يختلف تفسيرهما وكل منهما ينتمي لطبيعة مُختلفة؟؟ تكرار ذلك التفسير المُختلف لسلوك (ما) يؤدي إلى نشوب الاشتباكات والمشاكل والنزاعات بين الزُهرة والمريّخ، وتتحول العلاقة بينهما مع الزمن إلى ساحة معركة أو صراع قوى فيها رابح وخاسر والنصر للأقوى للأسف الشديد. وفي حال استمرار تلك الصراعات تزيد الفجوة بينهما، وتكبر دائرة النزاع بأطراف دخيلة، وتنتقل حالة التجاذب بينهما إلى حالة التنافر، ثم الجفاء وأحيانًا تتحول للعِداء، وتهرم العلاقة وتشيخ كذلك إلى أن ينتهي أجلّها (بمأساة) أو ربما في ساعة غفلة..

فعلى سبيل المثال لا الحصر لنأخذ شيفرة (الاهتمام) والسلوكات المرتبطة به: يختلف مفهوم الاهتمام عند الرجل عنه عند المرأة؛ فالمرأة طبيعتها سمعية، في حين أن الرجل طبيعته بصرية. ونتيجة لذلك الفرق البيولوجي بينهما تُعرّف المرأة الاهتمام (بسماعها) للكلام الجميل والغزل والمديح والسؤال عنها باستمرار ومتابعة تفاصيلها اليومية الدقيقة وبما ترغب وما لا ترغب من قِبل الرجل، بينما يُعرّف الرجل الاهتمام بما تقوم به المرأة من سلوكات (مرئية) ومواقف فعلية على أرض الواقع لإسعاده من ضمنها مثلًا: العناية بمظهرها أمامه والعناية بصحته وبغذائه وبثيابه وببيته وبأهله وبمن يُحِبّ..

وعلى الرغم أن تفسير كل منهما في المثال السابق لشيفرة الاهتمام صحيح ويندرج تحت مظلة (الحُبّ) ذاتها؛ لأن الحُبّ بالمُحصّلة هو مواقف وهو اهتمام كذلك، إلاّ أن هذا الاختلاف في تعريف شيفرة الاهتمام بين الزُهرة والمريّخ يقودنا إلى حقيقة مفادها أن السلوكات المرتبطة (بالتعبير) عنه للآخر ستكون حتمًا مُختلفة، ويجب علينا تقبّلها تمامًا كما نتقبّل الاختلاف بين الجنسين، ولكن للأسف قد يُساء فهمها أحيانًا أو ربما تُثير عدم الرضى في العلاقة في أحيان كثيرة. فإذا لم يتذكر الرجل عيد ميلادها مثلًا، أو إذا لم يتغزّل بجمالها ولباسها وطعامها، أو إذا لم يُقدِم لها الورود، أو إذا لم يسمع صمتها دون أن تعلن عن سبب انزعاجها، أو إذا لم يُشاركها أحداث يومه وتفاصيل حياته ويتبادل أطراف الحديث معها باستمرار، وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة جدًا؛ فإن سلوك المريّخ ذلك يعني للمرأة (عدم اهتمام) ويُعادِل (الإهمال) بشيفرتها الخاصة. وبالتالي سيستفزها إهماله وسيُثير انزعاجها منه أيضًا، بالمقابل يقودها تقصيره – من وجهة نظرها – إلى إهمالها له وعدم الاكتراث به وبمطالبه، ثم يتفاقم مسلسل (النقّ) والنكد المستمر، وتتكرر المشاكل بينهما على الأسباب ذاتها، فيقع الطلاق هنا إما عاطفيًا أو جسديًا أو مكانيًا أو ذهنيًا أو إنهاء العلاقة نهائيًا..

نظام ترميز السلوك وتفسير الشيفرة المرتبطة به يعتمد بالدرجة الأُولى على الإرث الثقافي والاجتماعي لِكُلّ من الرجل والمرأة، الذي بدوره يُشكل التصورات المعرفية في أدمغة الجنسين عن الآخر وعن الحياة بكل ما فيها بشكل مُغاير، بالإضافة إلى اعتماده كذلك على التجارب والخبرات السابقة لِكُلّ منهما؛ الحلوة والمرّة على حدّ سواء. أما الامتيازات التي يتمتع بها كل جنس مجتمعيًا وقانونيًا تُحدّد بشكل صارم ردود الفعل مع الآخر أيضًا، وتلعب هنا الفروق البيولوجية بين الزُهرة والمريّخ الدور الأكبر في الاختلاف بطرق تحليل الشيفرات والسلوكات، فإما أن يأتي سلوك الزُهرة بشكل مُطابق ومُرضي للمريّخ في موقف ما أو قد يكون مُناقِض لتوقعاته ومُنفّر له، وفي هذه الحالة على وجه الخصوص تحدث الكارثة..

بناءً على ما سبق ولحل الاشتباكات بين الجنسين، يجب أن يتم الاتفاق بينهما منذ بداية العلاقة على “نظام ترميز” مُشترك لشيفرات السلوك المرغوب (خاص بهما) ومُرضي للطرفين بشكل عادل في ذات الوقت، وعليهما معًا البوح بصراحة تامة بما يسعدهما وما يُعكّر صفو علاقتهما أيضًا، ومن الواجب عليهما احترامه والالتزام به تمامًا في كل الأوقات وفي كل المواقف تجنبًا للاشتباكات؛ السطحية منها أو الجوهرية على حدّ سواء، فلا فرق هنا (بخطورة) تلك الاشتباكات في حال استمرارها أو تكرارها. وفيما بعد يتم تفسير السلوك المتوقع بناءً على ما تم الاتفاق عليه (معًا) لا على أساس اجتهاد فردي محض. ولا يُمكن أن يصِلا لحياة مُرضية وسعادة في العلاقة إلاّ من خلال إيجاد تعريف (مُشترك) لمعنى كل شيفرة على حدى، وتعريف السلوكات المرغوبة وغير المرغوبة المرتبطة بكل شيفرة للوصول إلى حالة الرضى في العلاقة..

لتجنب التفسير المتضارب غير المُرضي بين الجنسين يجب على الزُهرة أن تُعرّف للرجل ما هي السلوكات المرتبطة بشيفراتها الخاصة كالاهتمام مثلًا، وما هو السلوك المطلوب منه في كل موقف، ثم الصبر لحين الاعتياد، وأن لا تنتظر أن يُقدّر هو الأمر لوحده وتُعاقبه بعد ذلك لخذلانه توقعاتها، أو وصمه بالتقصير، أو التعميم من موقف ما على كل المواقف، أو التقليل من شأنه وعدم تقدير ما يقدمه لها. وبالطبع ينسحب حلّ الخلاف والتعامل بالطريقة نفسها على المريّخ كذلك…

إن إيجاد توضيح وتعريف محدد لكل الشيفرات بين الجنسين سيخفّف الاحتقان والجفاء، كما يُساهم في تحسين نوعية العلاقة ونمائها بشكل صحي، ويزيد قوة الترابط بينهما أيضًا، فتُمسي علاقة قوية جدًا لا تضعفها الاختلافات ولا تهزها الاشتباكات لا بزلزال أو حتى بريحٍ عاتية.

والأهم هنا أنه يزيد من درجة التقارب العاطفي والجسدي والفكري بينهما، كما يزيد من قدرتهما على استثمار الخلافات والاشتباكات لبلورة (الحُبّ) المبني على الخبرات المُتبادلة المُكتسبة من مواقف الخلاف؛ بمعنى آخر توظيف الاختلافات بين الزُهرة والمريّخ ليُكمّل كل منهما الآخر ويتكامل معه…. 

وأختم بما قاله شكسبير عن كوكب الزُهرة والمريّخ:-
“المرأة كوكب يستنير به الرجل، ومن غيرها يبيت الرجل في الظلام”… وكما قال جورج برنارد شو “يكفي المرأة رجلًا واحدًا لتفهم جميع الرجال.. ولكن لا يكفي الرجل مئات النساء حتى يفهم امرأة واحدة. وما يُقلق النساء هي الأمور التي دائمًا ينساها الرجال، وما يُقلق الرجال هي الأمور التي دائمًا تتذكرها النساء”…
حتمًا للحديث بقية….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !