لا للانقياد أو العناد

لا للانقياد أو العناد
1٬256 مشاهدة

فنون التسوية والتفاوض في مؤسسة الزواج تشبه بشكل كبير (تقسيم الكعكة) على حدّ تعبير جورج برناردشو في تعريفه للتفاوض، حيث ينصرف بعدها كل من الحضور معتقدًا أنه حصل على الجزء الأكبر.. وهكذا يجب أن يكون الوضع بين الشريكين…

نعم صحيح أن التوافق بين الزوجين يُحقق الزواج الناجح، ولكن كيفية التعامل مع الأمور (غير المتوافقة) بين الشريكين وتسوية الخلافات بينهما يُعتبر العامل الحاسم نحو مؤسسة زوجية أكثر سعادة واستقرارًا إذا كان ما يهمنا بالطبع هو النوع لا البوع…

الاختلاف في الآراء والأهواء والرغبات والاهتمامات والهوايات والأهداف بين الشريكين هو أمر طبيعي ومشروع كذلك، ومن المفروض أن وجوده يُثري العلاقة ويُكملها مشروطًا في حال كان مبدأ “الحلول الوسط” هو حجر الأساس فيها. فالتنازل عن شيء هام لصالح شيء أكثر أهمية في العلاقة الزوجية هو حقيقة جوهر فنّ (التسوية) وهو بحدّ ذاته ما يُحقق السلام والانسجام بين الشريكين..

التسوية بين الشريكين هي نتيجة لفنّ التفاوض ضمن مبدأ (الأخذ والعطاء)، حيث يحصل كل طرف على أمر مُرضٍ (لكليهما) معًا بغض النظر إن كان مُرضيًا بشكل كامل لأيّ منهما شخصيًا أم لا؛ فالتسوية لا تعني الحصول على (كل) ما يريد أحد الشريكين على حساب الطرف الثاني. العطاء هنا يجب أن يكون ضعف الأخذ، على أن يكون العطاء ممنوحًا من كل طرف للآخر في جميع مواقف الاختلاف التي قد تقود إلى الخلاف، وهذا الأمر ينفي الفكرة الشائعة المغلوطة “قابلني بمنتصف الطريق”، لأن العطاء هنا لا يعني النصف وإنما يعني العطاء بنسبة (مئة بالمئة) من قِبل كل طرف للتوصل إلى حل وسطي يُرضي الطرفين بالدرجة نفسها.

ولكن في المواقف التي لا يمكن الوصول فيها لحل وسط يصبح المطلوب هنا على وجه الخصوص تقبّل وجهة نظر الآخر كما هي ومحاولة (تغيير) وجهة النظر الشخصية، ويعتمد تغييرها على أهمية الموضوع لكل طرف، وعلى مقدار الحُبّ والاحترام اتجاه الآخر، بالتأكيد الأخيرة هي الأهم.. ولا تعتبر التسوية في هذه الحالة (ضعف) بل العكس هو الصحيح؛ فتعتبر نقطة قوة تمامًا لأن (التنازل عن قوة هو قوة). وهذا يعني وجود درجة عالية من (النضج العاطفي) والتفهّم والاحترام للآخر المهم؛ أي الشريك.

فالتسوية هنا تتعدّى كونها (كشف حساب) بما لنا وبما علينا، أو أن يكون ما نُقدمه مساوٍ (بالمقدار) تمامًا لِما يُقدمه الطرف الآخر، وإنما تتقدم المصلحة الكبرى لنجاح العلاقة جميع ذلك. فالحياة الزوجية ليست عملية حسابية وإنما هي (معادلة) بالتأكيد، كل طرف يُصيغها بما يُناسب العلاقة ويخدمها.

في توصيف ثقافة التسوية السابق يمكن أن نعتبرها على النقيض التام (للثقافة القطبية)، التي تعني إما الفوز أو الخسارة، إما الانقياد أو العناد؛ فتلك الثقافة المقيتة تخلق مع الوقت ثقافة مُصاحبة لها أكثر مقتًا وهي (ثقافة الإذعان). إذعان الطرف الضعيف لصالح الطرف القوي في المعادلة، وتنازل الطرف الأضعف (كُرهًا) لتجاوز الموقف اعتقادًا – بتقدير خاطىء – أن الإذعان هو الطريقة الأسلم للحفاظ على السلام والهدوء في العلاقة. ولكن ما يحدث حقيقة العكس تمامًا، فالهدوء (المُزوّر) هو ما يسبق العاصفة فقط، لأن انتهاء الحوار لصالح طرف على آخر يخلق مشاعر بشعة مع الوقت: كالكره، والحقد، والمشاعر السلبية المُتراكمة والمُتفاقمة في ذات الوقت حدّ (النفور) من الطرف المُتسلط. تلك المشاعر السلبية تقتل مشاعر الحُبّ والاحترام مع تقادم الوقت وتقضي على السعادة الزوجية للأسف الشديد، وتُعتبر أيضًا (وقود) اللحظات الانفجارية التي تقود حتمًا إلى بُهتان بريق العلاقة تصل حدّ الفشل أو ربما القطيعة مع تكرار حدوثها..

إحلال ثقافة (التنازل بالرضا) لِمن نُحبّ وثقافة الأخذ والعطاء المتبادل، بدلًا من ثقافة التسلّط والإذعان والتشبث بالرأي، هو أساس فنون التفاوض والتسوية في الخلافات الزوجية، وضمان استمرار العلاقة بين أي شريكين ونجاحها.

على هامش جميع ما سبق نصل لحقيقة مفادها أن وصف الحُبّ بلغة نزار قباني عندما قال: “هو ذلك الكفّ التي تغتالنا،،،، ونُقبّلُ الكفُّ التي تغتالُ”،، كلام شعراء جميل جدًا، لكنه يسقط على محراب (الحُبّ المؤسسي) الذي يغتاله: سوء التفاوض، وسوء التسوية، وغياب الاحترام المتبادل، والعطاء الجميل من جهتين…

الإجادة في العطاء أصعب جدًا من الإجادة في الأخذ،، فالعطاء (فنّ) يتوقف إتقانه على إدارة العطف والتحكم في خطراته، أما الاعتياد على (الأخذ) بشكل دائم فهو ضرب من ضروب الأنانية تطرق أحيانًا أبواب النرجسية البغيضة..

(لا) لشريك (يأخذ) فقط أو لآخر (يعطي) فقط، ولنبتعد أيضًا عن ثنائية (الأضداد) المُرعبة التي لا تقود إلاّ لخراب العلاقة وتؤذّن بقرب سقوطها.. لا مناص هنا للحفاظ على الشراكة الحقيقية لا المزيفة أن نقول بأعلى صوت (لا) للانقياد ولا (وألف لا) للعناد بين الشريكين.. لأن ذلك عنف مبطّن يقود حتمًا إلى جميع أنواع العنف المباشر وغير المباشر على الإطلاق ثم تقع الكارثة، أما الطلاق العاطفي هنا فحدّث بلا حرج ويفلت حبل الطلاق النهائي على الجرّار، ويُمسي (الطلاق الحضاري) حُلُم بعيد المنال…

اتعظوا يا أولي الألباب وتذكروا أن ما يُسلب بالعنف لا يُحتفظ به إلاّ بالعنف، وتذكروا أيضًا أن النصر الناتج عن العنف مساوٍ للهزيمة.. فلا غرابة بل لا مفرّ أبدًا (الآن) أن تتقنوا فنون التسوية والتفاوض…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !