لوين رايحين بالوطن؟

لوين رايحين بِ الوطن ؟
1٬542 مشاهدة

خير ما استهلّ به هذا المقال كلام الله تعالى في سورة آل عمران:
“واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا، واذكروا نعمتَ الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا، وكنتم على شفا حُفرة من النار فأنقذكم منها، كذلك يبيّن الله لكم آياته لعلكم تهتدون”.. صدق الله العظيم.. الوطن

اجتمعنا على ذات القضية، ووحدنا حُبّ الوطن، وتحمّلنا مشقّة الحياة وضنكها لأجل الأمن والأمان؛ أمان الوطن (وطننا جميعًا). فلم يتبقى لنا الآن سوى وحدتنا وتضامنا معًا، أرجوكم حافظوا عليها واعتصموا بحبل الله ولا تفرّقوا. فأينما توجد الوحدة الوطنية تختفي كافة الشرور والخلافات والأحقاد والعنف والعنصرية، وتسود المحبة والتسامح بالتآخي والتعايش..

وحدتنا الوطنية أوشكت أن تفقد بريقها بمجرد التبجّح (باللغو الفيسبوكي) على أي شيء مهما عظُمَ أمره أو صَغُر، احتقاننا من عدونا الرئيس عدوّ العرب كل العرب أسقطناه على بعضنا لأنه – أي العدو – أفرغنا من قدرتنا على المواجهة والتصدّي؛ فأمسينا على العنصرية البغيضة وأصبحنا على دقّ الخشوم، وبدلًا أن ندقّ خشوم من سرقوا أوطاننا وأفسدوها وقسّمونا وشرذمونا ونقلوا لنا عدوى العمى والخرس والطرش أسقطنا تلك العاهات العقلية والجسدية على بعضنا البعض للأسف الشديد، وبتنا لا نرى ولا نسمع ولا نتكلم سوى ما يفرّقنا لا ما يجمّعنا..

زيف الوحدة وهشاشتها يبلغ مداه عندما تفرقنا كرة القدم بدلًا أن نتحلّى بأخلاقها الرياضية، فغدت تُمزّق نسيجنا الوطني وتطعن كرامتنا بضربة موجعة أوجعت الوطن كما أوجعت شرفائه..

تحمّلنا شراسة الغلاء وضيق الحال وسُعار الضرائب من أجل أن يبقى هذا الوطن سالمًا، وحتى نعيش تحت مظلة الأمن لنحمي وطننا وأنفسنا مما حصل لجيراننا وإخواننا. فأرجوكم لا تعبثوا بأمننا وأماننا، دعونا ننام بهدوء ونمارس حياتنا الطبيعية دون خوف ونزور بعضنا دون رعب كما أُرعِبَ من أصابهم فيروس الربيع العربي الظالم وفتك بأمنهم ودمّر أوطانهم وشتّتهم؛ فلا تهتكوا وحدتنا أرجوكم، وتجاوزوا الخلافات، فبإمكاننا رأب أي صدع مهما كان دون الالتفات لمسببات أي أزمة أو حتى عوامل تكرارها. فإذا كان السلوك المشين الصادر عن أي جهة كانت سواء بشكل مقصود أم غير مقصود (جريمة) فإن ردّة الفعل غير الحكيمة الآن هي أكثر جُرمًا. فلا الوطن ولا المواطنين حاليًا قادرين على تحمّل نتائج عواقبها وخيمة ستمس الجميع بلا استثناء بسبب هوجائية وغوغائية وسطحية البعض، وميوعة الفِهم لدى أهل الفزعة التي لن تُحقّق شيء (إلاّ) مُراكمة الأعداد التي تستسلم لمفردات التضليل البالية والعنصرية الغانية فقط لا غير، وبالطبع الخاسر الوحيد هو الوطن…

من المُعيب جدًا بل ومن العار أيضًا في هذا الوقت العصيب للوطن وفي تلك اللحظات الحرجة في تاريخ العروبة استغلال النشاط الرياضي للإساءة والفرقة، من المعلوم أن الرياضة بشكل عام وكرة القدم بشكل خاص تُهذّ بالنفوس والعقول وتُعلي اسم الوطن في الداخل والخارج وتعطي صورة مشرّفة عنه، لكن ما يحدث في وطننا العكس تمامًا بكل أسف وحسرة. فتقوم بعض النفسيات المريضة النتنة بإثارة العنصرية العفنة بين أبناء الوطن الواحد وبثّ سموم الفرقة بين الشعبين الشقيقين الأردني والفلسطيني. هذه الوحدة بين أبناء وبنات شرقيّ الوطن وغربه هي ما تبقى لنا من (كرامة) في الوقت الحالي بأقل تقدير، وستبقى عصيّة على أولئك العابثين بأمن الوطن واستقراره والبعيدين كلّ البعد عن حُبّ الوطن ومشاعر الوطنية والمواطنة. ليس هذا أبدًا ما ينقصك الآن يا وطني..

من المفروض أن حملة دق الخشوم تُوجّه نحو العدو الحقيقي الذي طالما تربّص بنا ونجح وليس على أبناء الوطن الواحد ومن يحمِلون على خاصرتهم ذات القضية ويعانون ذات الهمّ والوجع نفسه؛ فلنرتقي.. لم يتبقى من بلاد الشام إلاّ أنتِ يا أردن يا أرض العزم ويا أهلها الأشاوس…

قوة جبهتنا الداخلية سلاح لا يُماثله سلاح في مواجهة التحديات والمخاطر الخارجية؛ فكُلّما كانت وحدتنا الوطنية صلبة كُلّما سقطت مشاريع الاختراق. الرصيد التاريخي لوطننا وإرثه الضخم وقيّمه وطبيعة العلاقة الفاخرة بين الشعبين التوأمين هي عوامل هامة جدًا يجب أن تبقى في الذاكرة لأنها وحدها القادرة على الإمساك بزمام الأمور ضد العابثين والطامعين والمخرّبين..

هذه الكلمات نابعة من قلوب مألومة ونفوس حزينة على ما آل إليه حال الوطن، فهي ليست شعارات معلوكة للتصدير الإعلامي فقط بل لا بدّ من استثمارها وتوظيفها لمصلحة الوطن وأمن مواطنيه.. حريٌّ علينا جميعًا في هذا الوقت بالذات التسلّح بالإحساس الوطني لمواجهة المخاطر داخليًا وخارجيًا، فتعزيز وحدتنا الوطنية هو فقط ما يقطع الطريق على أجندات البعض في محاولة صبّ الزيت على النار لتهشيم النسيج المجتمعي واختراقه..

الشعبان العظيمان الأردني والفلسطيني نسيج واحد امتزجت دماؤهم في ميدان المعارك والملاحم الوطنية والشاهد هو التاريخ، اتعظوا يا أولي الألباب…

التعدّي على الوطن ورموزه ومواطنيه خط أحمر لا يُمكن قبوله بأي حال من الأحوال، وفي الوقت نفسه تقتضي الحكمة أيضًا التعقّل في ردود الفعل ومنع المساس بالوحدة الوطنية أو العبث بها فهي أيضًا خط أحمر لشرفاء الوطن على الأقل. لا تتعثروا بالحكمة حتى لا يحدث ما لا يُحمد عُقباه، أتمنى أن توقفوا مواجهة البشر حتى تتمكنوا من مواجهة الخطر وتعرفوا لوين رايحين ولوين ماخدين الوطن.. ويا حسرة عليك يا موطني..

أختم بأجمل ما قال ابن الرومي في أبياته عن الوطن: “ولي وطن آليت ألاّ أبيعه وألاّ أرى غيري له الدهر مالكا، عهدتُ به شرخ الشباب ونعمةً كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا، فقد ألَفَتْهُ النفسُ حتى كأنه لها جسدٌ إن بانَ غودِرْتُ هالكا، وحبّب أوطان الرجال إليهم مآرب قضّاها الشباب هنالكا، إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهمُو عهود الصبا فيها فحنواْ لذالكا، وقد ضامني فيه لئيمٌ وعزّني وها أنا منه مُعصِمٌ بحبالكا”…
وللحديث بقية…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !