خُرافة الكذب الأبيض

خُرافة الكذب الأبيض
1٬179 مشاهدة

الجسر المريح لعبور هذه الحياة المُرهقة والمضيّ عبر محطاتها بطريق سهل لا يكون إلاّ (بالثقة)، طعم الكلمات يغدو أجمل بوجودها تمامًا كجمال الحياة المشحونة بها والمليئة بالحُبّ الناجم عنها؛ فنِصْف الحُبّ (ثقة) أما الباقي فهو بالطبع (اهتمام)، وليس بوسعنا دائمًا أن نثق بمن نُحبّ ولكننا حتمًا سنحبّ من نثق بهم.

كما هي الثقة جسر الحياة فإن الصراحة والمصداقية هما عمادا الزواج والحُبّ الناجحين، وفي الشراكة بين الجنسين الفوز بالثقة أهم بكثير من الفوز بالحُبّ؛ فحيث توجد الثقة يتبعها الاحترام ثم يأتي طوفان (الحُبّ الحقيقي) الأصيل لا المرضي الوسواسي الدخيل. تذكروا أن الأمان عند المرأة يقابله الثقة عند الرجل، وتذكروا أيضًا أن الشكّ يقتل الحُبّ بينهما بالضربة القاضية.

حتى تثبت تلك الأعمدة بين الشريكين يجب أن تتوافق الأقوال مع الأفعال بين طرفي العلاقة، وإذا كان أي طرف ليس على أتم الثقة بالالتزام فمن الواجب عدم تقديم الوعود من الأساس لأي أمر مهما كان صغيرًا؛ لأن الشريك عندئذ سيشعر بالإحباط والخذلان ويشعر أيضًا بإرباك مُرهق لمُناخ الثقة أكثر بكثير من عدم تقديم الوعد من الأساس.

إن إخفاء بعض الأمور حتى الصغيرة منها والتي يُسمّيها البعض (الكذب الأبيض) قد لا تؤذي العلاقة بشكل مباشر ولكنها تُشكّل حاجزًا صغيرًا بين الشريكين يتصاعد بشكل تراكمي بسبب الأسرار الصغيرة (البيضاء)، التي تقود في كثير من الأحيان إلى أسرار كبيرة (سوداء) والتي حتمًا ستقضي على الثقة ببطىء مع تقادم الوقت وستنهيها بسرعة في حال اكتشافها من قِبل أحد الشريكين.

الثقة عملية تراكمية لا تحدث بين عشية وضُحاها، ولكن تعتمد في بنائها على تراكم المواقف الصادقة والوفاء بالوعود والعهود، كما تعتمد أيضًا على مدى الالتزام بقواعد العلاقة الخاصة التي تم وضعها برضى بين الشريكين؛ هنا فقط وفي هذا الحال تتطور الثقة في تاريخ العلاقة وتتموضع على ركائز ثابتة فتغدو عصيّة جدًا على التقهقر أو التراجع حتى في ظل العواصف العاتية التي تُهاجم صفوَ العلاقة بين الشريكين أحيانًا. وبالمقابل، الاستمرار بممارسة تلك الخُرافة (الكذب الأبيض) قد يقصف عمر الثقة على الفور إن كانت العلاقة في طور البناء أثناء البدايات الجميلة أو حتى في طور الرثاء بعد النهايات الحزينة.

بناء الثقة يُمكن تشبيهه ببناء المدن، فأعظم المدن وأكبرها في تاريخ العالم هي أقدمها أيضًا، لأن بناء ثقافة المدينة بمبانيها وبُنيتها التحتية وسكانها استغرق عقودًا وربما قرونًا لإثبات جدارة البقاء وتجنّب الفناء.

الثقة هنا لا تُقاس بالوقت فقط بقدر ما تُقاس بالمواقف الصحيحة (المُتراكِمة) والإيمان بالآخر، تمامًا كصعود الدرجة الأولى حتى لو لم نرَ السلّم بأكمله.

لتعزيز الثقة وتطويرها بين الشريكين من المفروض أن يشعر كِلا الطرفين بالراحة في التعبير عن الهموم والمشاكل والمخاوف والآمال وشتّى الموضوعات المختلفة دون التعرض للانتقاد أو إصدار الأحكام الجاهزة المُطلقة المُتسرّعة أو الهجوم من قِبل أحد الشريكين على الآخر، لأن ذلك يخلق موقفًا دفاعيًا لدى الآخر ويخلق لديه/ها خوفًا من البوح مرة أُخرى، أو قد يخلق الرغبة في إخفاء الأحداث الصغيرة والكبيرة على حد سواء تجنبًا لردات فعل شبيهة، وهنا يوضع حجر الأساس (لحاجز فقدان الثقة) بين الطرفين ونعطيه فرصة للعلوّ لا بل الثبات أيضًا ثم يُمسي ذلك الحاجز البغيض راسخًا في الأرض وشامخًا في السماء حدّ الصمود حتى أمام طوفان الحُبّ، فهل هذا حقًا ما ترغبون ببنائه معًا؟؟ الثقة أم حاجز عدم الثقة؟؟ هل هذا الحاجز يحافظ على صحة العلاقة ويحميها من المتطفلين ويعطيها شرعية الأبدية؟؟ لست اعتقد هنا بل أجزم أن الجهد المبذول في خُرافة الإخفاء لو تمّ استثماره في البناء لمَا تبدّد فرط الذكاء في الخلاء مع (الدخلاء).

ممارسة هذه الخُرافة الساذجة وتكرار السلوك ذاته يُغلق جميع قنوات الاتصال والتواصل الصحي بين الشريكين، مما يُميت الثقة تدريجيًا حدّ موت العلاقة نفسها. ولتجنب ذلك من الضروري مدّ أواصر الثقة بين الشريكين من خلال خلق مُناخ الأمان والراحة عند الحديث أو عندما تهبّ رياح المشاكل والخلافات.

الطريق الوحيد للاستمتاع بعلاقة ناجحة قوامها الثقة هو التخلّي عن (كراكيب الماضي) وذكرياته مهما كانت مؤلمة أو حتى مُفرحة وذلك للتمكن من الإحساس بالثقة التامة في (الحاضر)، كما أن تطابق الأقوال مع الأفعال يُغذّي الثقة ويُنعشها، أما وقود الثقة المطلق هو الصراحة والشفافية التامة والتبرع بالمعلومة بكرمٍ شديد للشريك دون أدنى بخلٍ فيها؛ فليس للكذب أرجل ولكن للفضيحة أجنحة.

وباللغة العامية هنا (مافي شي بتخبّى وكل شي بظهر وببان حتى بعد فوات الأوان).

فمن الأجدى للشريكين البوح للآخر فورًا بالمعلومة والموقف الحاصل أو حتى السلوك الخاطىء، فمعالجة ذلك أسهل بكثير من غسيل الأدمغة ونشر العفّة والطهارة (المزيفة) على حبال من الكذب.

أما الأهم فيما سبق هو التخلّي عن ثقافة (التسامح) مع خُرافة الكذب الأبيض، فالأخيرة ربما هي السبب الرئيسي في خلق إنسان كاذب بجدارة ونسف الثقة من جذورها.. فلا توصلوا أنفسكما لدرجة الشعور بالحزن من عدم التصديق مرات ومرات أُخرى والوصم بالكذب نتيجة لإيمانكم بتلك الخُرافة والإصرار على ممارستها حتى لو بحذر شديد.

الثقة (مُعدية) جدًا كما الكذب أدعو الله انتشار تلك العدوى بيننا ونُصاب بها جميعًا ولا نجد لها دواءً أبدًا. أصابنا الله وأصابكم بها ويا لنعم العدوى.

دعونا نُجرّب طريقة ‘إرنست همنجواي’ لبناء الثقة حين قال “أفضل طريقة لمعرفة ما إذا كان بإمكانك الثقة بشخص ما هي أن تثق به”؛ فالتجربة هنا أكبر برهان لكن دون أن ننسى أيضًا أن (المُجرّبْ لا يُجَرّب).
دوماً للحديث بقية…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !