العقل المزيون قبل ورقة المأذون!

العقل المزيون قبل ورقة المأذون!
2٬212 مشاهدة

خير ما استهلّ به هذا المقال كلام الله تعالى في سورة الروم: “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون”.. صدق الله العظيم
حدّد الله تعالى في هذه الآية الكريمة القاعدتين الأساسيتين لبناء العلاقة الزوجية (المودة والرحمة). تُعتبر تلك القواعد البُنية التحتية وحجر الأساس لعلاقة أبدية ومتينة، وفي الوقت نفسه هي المظلة التي نشتقّ منها قواعد فرعية لديمومة العلاقة الزوجية واستقرارها.

المودة والرحمة هُما وجهان لعملة واحدة هي (الحُبّ) ويتناسبان تناسبًا طرديًا معه، بدونهما تكون العلاقة واهية هشّة قائمة على وهم الحُبّ العابر وليس السرمدي الصابر. لذلك نقول أن الزواج يتطلب الحُبّ وأشياء أُخرى، تلك الأشياء الأُخرى التي يحتاج أن يتعلّمها الأزواج والأهم أولئك المُقبلين على الزواج.

الزواج كيان قائم بذاته وهو مؤسسة كذلك، لا بل هو أهم المؤسسات الاجتماعية، لأنه اللبنة الأساسية لقيام الأُسرة والعائلة. فالزواج لا يقتصر على امتلاك الشريك الوسيم أو المشهور أو الغني أو ذي الحسب والنسب، كما أنه لا يقتصر على إقامة حفلة زفاف ولبس الفستان الأبيض أو تجهيز منزل فاخر، وإنما يتعدّى فكرة (الزوج) إلى (الشريك) كما يتعدّى فكرة (بناء بيت) إلى ما هو أعمق وأشمل وهو (بناء أُسرة)؛ أُسرة مستقرة نفسيًا واجتماعيًا قادرة على الصمود في مواجهة أي عاصفة قد تزلزل استقرارها.

تقوم هذه المؤسسة على وجود (شريكين) مُتكافئين في مستوى العطاء والاستثمار المتبادل فيها، بحيث يُكمّل كل منهما الآخر حتى لو كانا مختلفين، الاختلاف هنا من المفروض أن يقود الطرفين إلى التكامل والتكميل لا النكاية والتنكيل. لذلك يحتاج الشركاء في تلك المؤسسة إلى التدرّب على إتقان قواعد الزواج الأساسية التي هي أصلًا موجودة في كتاب الله قبل أن تكتب عنها الكتب الحديثة الأُخرى وتُسمّيها بمسميات مختلفة.

تشمل القاعدة الأولى في الزواج وهي “المودة”: التقبّل وأعني به هنا (التقبّل الجسدي، والفِكري، والعائلي، والمادي، ثم العلاقة الحميمية)، أي قبول الآخر كما هو وعدم المراهنة من أي طرف لتغيير الطرف الآخر وفقًا لنموذج مرغوب، بالإضافة إلى الصمود مع الآخر في جميع المواقف في السرّاء والضرّاء على حد سواء، ويأخذ الاحترام حصّة كبيرة جدًا كذلك فيقوم على احترام الطرف الآخر في وجوده وغيابه وأمام الناس، وصون كرامته، واحترامه في لغة الحوار، واحترام رغباته ومحدداته، وتجنّب خطوطه الحمراء. إذا توافرت هذه العناصر جميعها يكون الركن الأول للحُبّ قد تحقق، أما الركن الثاني فيندرج ضمن القاعدة الثانية للزواج وهي “الرحمة”.

قاعدة الرحمة التي فرض الله تعالى ضرورة توافرها في العلاقة الزوجية تشمل أسمى القيّم الإنسانية وأنقاها من المحبة، و المودة، والمغفرة، والتسامح، والعفو عند المقدرة، والاحتواء، ونسيان الأخطاء، وغفران الزلاّت، والتنازل، والإيثار، والتغاضي عن الهفوات، والرقيّ في التعامل، والتضحية، والحِكمة، وضبط الانفعالات، والتعاطف، والكرم، وأخيرًا تجنّب العنف بجميع أشكاله؛ اللفظي منه أو الجسدي وأسوأه أيضًا وهو عنف (الإهمال). لا بدّ من التنويه هنا أن الرحيم دائمًا مُحبّ وليس العكس؛ فالمُحبّ ليس بالضرورة أن يكون رحيمًا، اختاروا (الرحمة) في الشريك نصيحة لوجه الله تعالى.

إذا فهم كل شريك القواعد الأساسية في الزواج (المودة والرحمة) والأشياء الأُخرى التي تندرج تحت مظلة تلك القواعد وأتقن فنّ تطبيقها، هنا وهنا فقط تتحقق أركان (الحُبّ)، وهنا أيضًا تسقط مقولة (الزواج مقبرة الحُبّ) !! فهذه الأشياء الأُخرى المرافقة للحُبّ في العلاقة الزوجية المذكورة أعلاه تنفي تلك المقولة المعهودة وتنسفها بالضربة القاضية (إن) كان اختيار الشريك صحيحًا بالطبع وبُني على أسس عميقة لا سطحية.

بعد كل ما سبق تأتي أهمية المشورة الاجتماعية قبل الزواج ثم بعده، وأهمية التوعية والتدريب أيضًا على تمثّل تلك القواعد، والتدرّب على المهارات اللازمة التي تضمن زواج ناجح موزون مبني على عقل مزيون وقلب مفتون قبل التوقيع على ورقة المأذون.

فهل يا ترى بعد كل ما طُرِح هنا عن عٓصٓب الحياة (مؤسسة الزواج)، وأهميتها، وحاجتها إلى هذا الكمٍّ الهائل من النُضج العقلي والوجداني للشريكين، وضرورة التوافق والتكافؤ بينهما من أجل صمود المؤسسة واستمرارها، ولمدّ المجتمع ورفده بجيلٍ صحيح نفسيًا وجسديًا، فهل من الممكن أن يقوم بها أزواج بعمر (١٥) سنة؟؟؟ وهل من الممكن أيضًا أن تنجح تلك المؤسسة وتصمد بشكل صحّي إذا كان أعمدتها (أطفال) بهذا العمر ؟؟!!

لستُ اعتقد بل أجزم أن الجواب نعم، باستطاعتهم فعل ذلك، لا تستغربوا الجواب أبدًا !!! نعم باستطاعتهم بناء قصر لا بيت فقط ولا حتى مؤسسة ولكن من قِطع (الليجو)!!! قصرٌ بمستوى تفكيرهم وبحجم أحلامهم وطموحاتهم البريئة!! تكون (الباربي) بجميع أشكالها حاضرة به وتزيّن أركانه، أما زوج تلك الباربي الجميلة فيقوم في كراج ذلك القصر بتركيب سياراته الفارهة كالبورش والفيراري واللمبرجيني من (الليجو أيضًا).

وربما يقود بسكليته حول ذلك القصر؛ قصر الليجو الخُرافي، باكيًا بعد خسارته في لعبة الفوتبول مع أولاد الحارة، فذهب إلى أقرب (دكانة) لشراء الشيبس والعصير له ولصاحبة الباربي، ثم تنتهي لعبة (عروس وعريس) عند حلول المغرب كلّ يوم.

فبعد ذلك التوقيت الإجباري لإنهاء اللعب في الحارة يأتي وقت مراجعة الواجبات المدرسية وتناول العشاء ثم النوم فورًا – إجباري أيضًا – حتى لا يفوتهما باص المدرسة في الصباح الباكر والحصة الأولى، ومن الضروري أيضًا أن لا ننسى هنا ضرورة استخدام الحمام قبل الخلود إلى السرير تجنبًا للتبوّل الليلي.

ليس من المعقول ولا حتى من المقبول ونحن دولة نتمايز بزوال الأميّة الكتابية أن نبقى نراوح مكاننا في أميّة ذلك القانون المجبول وأميّة الاستنكار الرسمي الملول والرفض الاجتماعي الخجول.

إثارة الحديث عن هذه الظاهرة (زواج الأطفال) الآن وإعادة تقنين ضوابطه خالٍ من البراءة، أضف إلى ذلك أنه نسفًا مدمرًا لجميع جهود مؤسسات العمل النِسْوي طيلة السنوات السابقة؛  فأعادنا خطوات إلى الوراء لنقطة الصفر حيث بدأنا، بدلًا من السير قُدُمًا إلى الأمام ولو بخطوة واحدة للأسف الشديد، وكأننا ما زلنا (نحبو) من المرحلة الرعوية معرفيًا في أقل تقدير وحضاريًا بأكثره.

أخيرًا بنرجع نقول إنه الزواج الموزون بدو عقل مزيون مو بس ورقة مأذون !!! وعجبي……
ضايل شوية كلام؛؛ وبقية الحديث في المقال القادم إن شاء الله…. دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !