إما محسود أو مسحور: هيك الناس بتقول!

إما محسود أو مسحور: هيك الناس بتقول!
981 مشاهدة

من أقوال دوستويفسكي الجميلة التي تتناغم مع موضوع هذا المقال:- “أحيانًا لا يُريد الناس سماع الحقيقة لأنهم لا يريدون رؤية أوهامهم تتحطم”.

يشترك الأميّون والمتعلّمون دون استثناء في المجتمع القديم والحديث على حدّ سواء في اعتبار الحسد (الإصابة بالعين) السبب الرئيس للإصابة بالمرض على أنواعه بما فيه المرض النفسي والمجتمعي، والإصابة بالفشل كذلك سواء في الزواج أو في علاقة عاطفية أو فرصة عمل أو صفقة وغير ذلك، وهي في الأغلب تكون من عيون ثاقبة لناس محددين. وربما يكون الحسد أيضًا السبب في إذكاء المشاكل في الوطن على اختلاف أنواعها؛ فيُعزى (للعين) الكثير من الإخفاقات في الحياة تصل حدّ الإعاقات الجسدية والنفسية والعاطفية والمجتمعية وحتى الوطنية !

كم من امرأة وقعت ضحية لأولئك التُجار (تجار فكّ السحر والحسد) ليُعيد لها حُبّ زوجها أو حبيبها، وأوهمها بقدراته الخارقة على إيقاع الضرر بأعدائها والنيل منهم، وكم من رجل كذلك وقع ضحية لذات السحرة والعرّافين للحصول على عمل أو استرداد مال أو نجاح صفقة أو علاقة حُبّ، وفي أحيان كثيرة يتم اللجوء إليهم للعثور على كنز أو ذهب مدفون لكنه محمي من مخلوقات غير بشرية !!!!

الفكرة الرئيسية المُتجذّرة في مُعتقد الحسد (الإصابة بالعين) والسحر مفادها؛ أن الناس الناجحون والمستقلّون والأصحّاء والجذّابون هم الأكثر تعرضًا للإصابة بهما، لأنهم يُثيرون الحسد والغيرة والعدائية لدى الآخرين. إن تلك المشاعر السلبية (الحسد والغيرة والعدوانية) الكامنة خلف نظرة العين الحاسدة هي التي تُسبّب الأوجاع للضحية، لذلك يسود الاعتقاد بأن عمل (حجاب) سحري حامي للمحسود أو ضارّ بالحاسد يحجب مفعول العين الشرّيرة وتأثير السحر !!!

قد يكون التفسير المنطقي لرواج مُعتقد الإصابة بالعين هو الفكرة السائدة بأن الأشياء والممتلكات والصفات المحمودة كالجمال والخصوبة والغنى والجاه والمال وغيرها هي محدودة الكمية في العالم، إذاً فإن امتلاك شخص – رجل أو امرأة – لواحدة مما سبق من تلك الأشياء المحدودة هو، بالضرورة، على حساب فقدانها من شخص آخر. طبعًا يجب أن لا نغفل ولا ننسى أن هناك إناس يتميّزون فعلًا (بالطابع التدميري) من خلال الرغبة الجامحة في دواخلهم لامتلاك ما يملكه الآخر أو تدميره إذا لم تنجح محاولاتهم في اغتصاب ممتلكاته وامتيازاته عنوة، فيلجأ أولئك الأشخاص الذين يشعرون بغيرة ودونية شديدة من الآخرين الأفضل والأهم إلى (وهم) اللجوء للسحر بأنواعه لإيقاع الأذى بهم.

وهناك جانب آخر لمعتقد الإصابة بالعين، فأحيانًا العين التي تُصيب وتؤذي تكون (العين المُحبّة) دون قصد صاحبها؛ (القصدية) هنا هي المعيار للتمييز بين الإصابة بالعين كمُسبّب للضيقة النفسية، أو كتعبير عن الحسد والعدوانية.

أحد المعتقدات الشائعة بأن بعض أشكال الضائقة النفسية والجسدية والمالية والعاطفية والحياتية وغيرها تنتج عن السحر (أي عمل عدواني قام به ساحر محترف بالشرّ تمّ استخدامه من قِبل أحد الأعداء)، والأعداء هم المنافسون للمسحور، لذلك يلجأوون للسحر عندما يشعرون باليأس للقضاء على الغريم وهزمه. فقد يكون هؤلاء مثلًا: أحد أفراد العائلة، أو من أهل الزوج/ة، أو أحد الجيران، أو عشيقة الزوج، أو طليقته، وغيرهم.

من مظاهر الضوائق النفسية والجسدية التي تُعزى للسحر على سبيل المثال: العجز عن التركيز في العمل أو الدراسة أو أي مجال آخر مُلفت للنظر للحاسد الحاقد، وممكن أن يشعر المحسود أو المسحور بالهزال الجسدي غير المبرّر، أو الاضطراب والقلق، وقد يكون على شكل أوجاع الرأس، أو الهلوسة، العجز الجنسي أحد مظاهره أيضًا، وكره الشريك كذلك، بالإضافة إلى الامتناع عن الجنس مع الزوج/ة، أو الطلاق مثلًا. وهناك الكثير الكثير من المظاهر التي يتم التغافل عن الأسباب (الحقيقية) وراءها عن قصد أو دون قصد لا فرق،  فتسود حالة من (الإنكار)، لأن تعليق الفشل أو التقاعس على مذبح (السحر والعين) أسهل بكثير على المسحور والمحسود من مواجهة الذات بالحقائق المُرّة وأقل جهدًا في إيجاد الحلول، على الرغم أنها أعلى تكلفة.

أشكال السحر كثيرة؛ فقد تكون على شكل عُقدًا تُعقد، أو كتابات تُدفن أو تُعلّق أو تُحرق وتُذرّى في الهواء، أو تُلقى في البحر، أو تُرشّ أو تُسقى، أو تُطعم للمراد سحره. ومن الممكن جدًا أن تقود المواد المُستخدمة بالسحر في تلك الطرق إلى موت المسحور ببطء أو ربما على الحارك، خصوصًا تلك الموضوعة بالأكل والشرب أو المُستنشقة بعد رشّها على الملابس أو مكان النوم أو أي مكان يتواجد به الهدف. ويعود السبب لذلك أن موادّ السحر المُستخدمة في تلك الخُرافات تكون أحيانًا أعشاب سامّة جدًا، وهنا تقع الكوارث بسبب القناعة بنجاح تأثير ذلك السحر الفتّاك، ثم تنتشر عدواه بسرعة البرق للأسف الشديد.

أهم السِمات المشتركة بين المسحورين والمحسودين هي (القابلية الشديدة للإيحاء)، أي التصديق بما يُقال وتمثّله دون براهين أو أدلة، فيقبلها الموحى إليه بفعل (الوجدان والاستمالة). إن القابلية للإيحاء هي نتاج تربية (إذعانية) خضع لها المسحور والمحسود، تُبنى على تسليم العقل والنفس تسليمًا تامًا للكبار أو لأي شخص يدّعي أنه يعلم ما يقول وما يفعل. لذلك نلاحظ أن الحسد والسحر منتشر بشكل أكبر بين الأوساط غير المتعلّمة وتحديدًا الفئات (غير المثقفة)، هذا لا ينفِ بالطبع انتشار ذلك بين المتعلمين والمثقفين في كثير من الحالات، وهذا يحدث فقط عندما يتعرضون لليأس أحيانًا من الحصول على مُرادهم، أو حين الشعور بظلم الحياة ووجعها وعدم عدالتها حدّ الإحباط والقنوط بعد استنفاذ كافة الطرق. لكن النسبة الغالبة دومًا تكون بين (غير المثقفين) بشكل أكبر بكثير.

أما أنماط الشخصية الأكثر عرضة للإصابة بالعين والسحر والإيمان بذلك المُعتقد بشدّة هي: الشخصية الانطوائية، والشخصية الخوّافة وضعيفة الإرادة، والشخصية الاتكالية المعتمدة التي لم يحقق (أناها) الاستقلال والتمايز عن المحيط.

نلاحظ الآن بعد كل ما سبق أنه إذا أسقطنا التوصيف المذكور أعلاه عن الحسد والسحر على مجتمعنا الحالي ربما يكون تشخيصه فعلًا أنه مُصاب بالعين ومسحور كذلك، فربما الخوف الذي يعيشه المواطن حاليًا من غياب الأمن والأمان وتهاوي منظومته مردّه أن جيراننا في المناطق الملتهبة حولنا حسدونا مثلًا، ومن الممكن أيضًا تفسير عدم قدرتنا على الاستمتاع بمباهج الحياة المتوافرة حاليًا من خدمات وتسهيلات ودعم لامتناهي على كافة السلع وانعدام الضرائب والعلاج المجاني ورخص الأسعار يعود أيضًا إلى أن أعداءنا سحرونا، لذلك دخلنا في دوامة الشكّ وانعدام الثقة في حكومتنا الرشيدة ونواب وطننا الكرماء لدرجة وصل بنا شدّة وقع السحر علينا حدّ التبلّي على البعض وادّعاء الفساد عليهم واتهامهم جورًا وبُهتانًا، وقد يكون سبب المشاكل الاجتماعية المتزايدة عندنا والظواهر الغريبة على مجتمعنا من عنف وقتل وانتحار وبلطجة وتطرف وإرهاب ظاهر وآخر ملثّم يعود إلى سحر صهيوني من قِبل سحّرتهم اليهود (السُمٓرا) أيضًا؛ فخشيتنا من عيونهم وخوفنا من أسحارهم أدخلتنا في طابق الأمراض النفسية ودوامة الاكتئاب والقلق المستمر.

باتت سرعة التأثر والانفعال وحالة الغضب التي نحن عليها حاليًا وعدوى سوء الظن وعدم الثقة التي نحياها الآن حالة مرضية مُعدية وربما مُستعصية ولا تتعدّى كونها تضخيم للأمور ليس إلاّ وليس له أي مبرّر، رغم كل ما نحياه في الوقت الراهن من ترف وأمن وأمان ورغد العيش ورفاهيته. وكل ذلك يعود إلى (العين والسحر) دون أدنى شكّ.

أرجو من كل أصحاب الاختصاص بفكّ السحر وإبطال أثر عين الحسود أن يرقّونا لنشفى من أوهامنا، لتعود بصيرتنا، ونعيد بوصلتنا المنحرفة عن مسارها الصحيح نحو الأسباب الحقيقية لما نحن عليه حاليًا من حالة الخرس والطرش والعمى النفسي والوطني، وإيجاد حلول منطقية لها قبل أن يحصل ما لا يُحمد عقباه، فلا بدّ مما ليس منه بدّ… أختم بمقطع من رباعيات الخيّام: “سمعت صوتًا هاتفًا في السحر نادى من الغيب غفاة البشر، هبّوا املأوا كأس المنى قبل أن تفعم كأس العمر كفّ القدر”.

باقي الكلام اسمعوه بصوت أم كلثوم، ليبقى لنا من ذلك الحديث بقية… دمتم.

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !