مرض النساء الشهير

مرض النساء الشهير
2٬234 مشاهدة

جميعنا نؤمن نساءً ورجالًا على الإطلاق أن المرض والمصائب هو (قَدَري) إلى حدّ كبير، وأن المرء لا يملك مجالًا واسعًا لتفاديه، فالخير والشرّ وحتى المرض هو بلاء من الله، وإنّ قٓصْد الله من ذلك الابتلاء هو أبعد من مستوى فِهم المؤمن ومعرفته لأن الله هو العليم، وهنا يبدأ الإنسان المؤمن (بالقٓدٓرية) في التفتيش عن سبب أو ذنب اقترفه استحق بسببه عقاب الله.

ويا ريت يكون الوقوف عند هذا الحدّ فقط، فهو رادع قويّ في نهاية الأمر، لكن تكمُن خطورة هذا الفكر باللجوء إلى أولئك (السحرة والعرافين) الذين يدّعون بوجود مخلوقات بين العبد وربّه تنفّذ الإرادة الإلهية للشخص المذنب، وهذه المخلوقات الماورائية كالجنّ والشياطين والأرواح الشريرة، هي التي تقوم بمسّ الإنسان وتُسبب له الضائقة النفسية أو الحياتية أو حتى المرض الجسدي.

ويكون الحلّ للشفاء والخلاص هو فقط بيد أولئك السحرة الذين يلعبون دور الوسيط بين البشر وبين الله لتخليصهم من تأثير المخلوقات الماورائية المؤذية، طبعًا حججهم دومًا تكون محمية تحت غطاء الدين، ولا يتورعون من استخدام القرآن الكريم لإقناعهم وابتزاز أموالهم. كثيرون يقعون ضحايا تحت تأثير هؤلاء الدجّالين للأسف الشديد، والمرأة غالبًا هي حصّة الأسد.

المرأة المقموعة المظلومة التي تتعرّض للقهر والاضطهاد والحرمان من وليّ أمرها سواء أبيها أو أخيها أو زوجها، بالتأكيد ستعاني من ضوائق نفسية عدّة، فإما أن تظهر عليها الضائقة بشكل مباشر واضح للعيان، أو غير مباشر بتغيّر في سلوكها وحواسها، فتهاجمها هلاوس سمعية أو بصرية أو شميّة، وهنا يتم تشخيصها بأنها (ممسوسة)؛ أي راكبها جنّ!! دون الاكتراث أن الضغط النفسي المُمارس عليها هو السبب مثلًا، وبدلًا من عرضها فورًا على طبيب مختص لتشخيص مرضها وإعطائها العلاج المناسب للشفاء السريع، يتم عرضها على جميع السحرة والعرّافين في جميع أنحاء المعمورة (وسطاء الله) في الأرض.

وعندما لا تستجيب لعلاجهم – فإن كانت محظوظة – أخذت فرصتها في نهاية رحلة العلاج السحري تلك إلى زيارة الطبيب النفسي، وإن كانت قليلة الحظ – وأغلبهنّ كذلك – ستمضي بقية حياتها تأكل عصيّ أولئك بآثارها المبرحة لإخراج ذلك الجنّ اللعين الساكن في جسدها ويأبى الخروج، وهو السبب في سماعها أصوات غريبة أو رؤية أشياء وشخوص لا يراهم ولا يسمعهم ولا يتحدث معهم غيرها، فهو جنّ كافر نسونجي يستوطن جسد النساء على وجه الخصوص… يا لسخرية القدر!

المرأة المكتئبة أو القلقة أو المريضة هي هدف سهل للاعتقاد أنها ممسوسة بالجانّ، ولكن الحقيقة طبعًا هي العكس من ذلك، فإن نظرية المسّ نفسها إن استمرّ الحديث بها مع المريضة يُعزّز فيها المرض والقلق والاكتئاب ويزيده.

فالمرأة التي تعيش وضعية ضاغطة على المستوى العاطفي والعلائقي مثل (الخلافات العائلية أو الزوجية، فقدان الحبيب، أو موت عزيز، وغير ذلك) هي أكثر عرضة للإصابة بالضائقة النفسية، وبالتالي فإن إمكانية وصمها بالإصابة بالمسّ أعلى، دون الانتباه إلى ضائقتها النفسية وخطورة تطورها، وآثارها التي تبدأ بالظهور على شكل أوجاع جسدية لا أساس عضوي لها.

ودون الاكتراث كذلك لمشاكلها الحقيقية التي تُعاني منها في ذات الفترة؛ كبُعد الزوج عنها مثلًا أو زواجه عليها، أو كثرة المشاكل في البيت، وغيرها من الأسباب التي تقود المرأة إلى التعب النفسي واليأس حدّ اللجوء للعرافين لحل مشاكلها.

تتّصف تلك المرأة (باللاحيلة العاطفية)، وتتجلّى تعبيرات هذه اللاحيلة في كونها طرفًا ضعيفًا في علاقة غير مُشبِعة، وفي رغبتها أن تكون أو أن تُصبح طرفًا في علاقة مشبعة ومتبادلة، وتظهر قلة حيلتها في أوجاع جسدية، أو اضطرابات وظيفية، أو ذهنية، أو هي تشكو من ضغوط الواقع الذي يُعاش على أنه ثابت جامد لا يمكن تغييره لصالحها.

إن نظرية المسّ هي في الحقيقة شكل من أشكال (الصعوبات التكيّفية) ومظهر من مظاهر (الاستجابة) للعوامل المثيرة، بالإضافة إلى وجود القابلية للإيمان بتلك النظرية، فالإيمان بالمعتقدات الشعبية القائمة التي تعبّر عنها الخُرافات، تُؤمّن الخلفية الملائمة لبروز ردود الفعل المُتعلقة بالمسّ، على الرغم أن أعراض المسّ نفسها تظهر بسبب تعطّل قدرات الفرد (رجل أو امرأة) على التكيّف والتوافق مع البيئة المحيطة الضاغطة.

والمصادر الرئيسية للضغوط التي تتعرض لها المرأة بشكل خاص لا تتعدّى الصعوبات الأُسرية، المآزم الجنسية، مشاعر الذنب، الإحساس بالتهميش، الشعور بالنبذ، عنف الإهمال، الحاجة القوية للدعم ولكنها غير مستجابة.

من المعلوم أن التأويل الثقافي للمسّ هو ما يُؤمّن له الامتيازات؛ فالمسّ قوامه تعذيب الفرد الممسوس، ومن يقوم بذلك روح شريرة دافعها الحسد والانتقام. لذا فإن المرأة المُعذبة بالمسّ غير مُلامة وغير مسؤولة عن سلوكها اللاتكيّفي، فاللوم يقع على الشيطان، أو على الأرواح الشريرة، وهو المسؤول عن اضطراباتها السلوكية والنفسية.

يُضاف إلى ذلك أن الممسوسة تستطيع الهرب من واقعها المزعج إما بالإغماء أو بالإقلاب، أو على سبيل المثال كالهستيرية التي تُعبّر عن تعبها النفسي إما بالانسحاب أو ربما بفقدان الذاكرة الانتقائي، ومن الممكن أن تستخدم مروحة واسعة جدًا من الأعراض (النفس – جسدية) تتراوح من أوجاع الرأس إلى الأرق وخلافه، فهي تكسب بذلك إزاحة الانشغال من مواجهة الظروف الضاغطة والتركيز على الأمراض الجسدية، مُثيرة بذلك اهتمام الأُسرة والأصدقاء وعطفهم وتعاطفهم.

لا غرابة إذن من اعتبار المسّ مرض النساء الشهير، والسبب في ذلك بالتأكيد لا يعود إلاّ إلى (عالمية مكانة المرأة الدونية) اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا، وتشابه أدوارها النمطية، وضيق دائرة تلك الأدوار التقليدية، الروتين المملّ لحياتها المليء بالأعمال الشاقّة المؤبّدة والمكرّرة في ذات الوقت، عطائها غير المشروط وغير المقرون بتبادل الأخذ بالمقابل، جميع تلك الأمور مُجتمعة وعلى شاكلتها هناك الكثير الكثير بالطبع، هي ما تُحدّ من قدرتها على (التكيّف) مع تلك الضغوط، لقلة الأدوات والمصادر المتاحة لها. لذلك النساء عمومًا يعتزنَ مقوّمات (الوقاية) من الظروف الضاغطة، لأن أغلبهنّ والمهمّشات منهنّ على وجه الخصوص، يفتقرنَ البدائل لردود الفعل (الصحيّة) في وجه محيطهنّ القامع.

فتكون (الجسدنة) بالتشخيص الطبي ويقابلها (المسّ) بالتوصيف الشعبي، هي الوسيلة الوحيدة للتعبير عن (تعبها النفسي) الضاغط في واقعها الهابط، وهي الاستجابة الأكثر ملاءمة لهذه الضغوطات وتلك المعوّقات العاطفية والاجتماعية.

وهناك جانب آخر لخُرافة المسّ أيضًا لا يمكن تجاهله بأي حال من الأحوال، فادّعاء المسّ (إراديًا) من قِبل المرأة في أحيان كثيرة ينطوي على أبعاد نفسية واجتماعية لا نستطيع غضّ النظر عنها أو حتى إنكار وجودها؛ فالمسّ ليس شكلًا ثقافيًا للعُصاب فقط، ولكنه أيضًا شكل (ضعيف) من أشكال الاعتراض على الشروط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية القامعة، أو ربما شكل من أشكال الانتقام !! فالنساء حين يُصَبن بالأرواح الشريرة يورّطن أزواجهنّ وأُسرهنّ في مسار عملية الشفاء، وهي ذات ثمن باهظ من الوقت والجهد والتكلفة، أضف إليها مسلسل طويل من الفضائح.

ومن هذا المنظور، فمتى جذبت المرأة انتباه زوجها لها – أو أي ذكر آخر تقع تحت سُلطته المجحفة – بإصابتها بالمسّ فهي تجعله يدفع فعليًا لا رمزيًا ثمن دوره التسلّطي؛ فادّعاء الإصابة بالمسّ هنا هو سلاحها الحصري لتحدّي هيمنة الرجل والتحرّر من جوره للأسف الشديد.

فالمسّ عند المرأة (ميكانيزم دفاعي) يكون في الوعي تارة وفي اللاوعي تارة أخرى، كشكل من أشكال المقاومة ضد تسلّط الرجل أو الهروب من ضغطه وقمعه وظلمه. فهي مقاومة متداخلة في نسيج حياتها اليومية المتعبة، وتأخد المرأة هذا المنحى لأنها وسيلة مُتاحة ومقبولة في مجتمعاتنا التقليدية وربما ما زالت في الحديثة أيضًا، والوسيلة الفعّالة التي تكسب من خلالها اهتمامًا وتعاطفًا. فلا يسمح لها واقعها الاتكالي اعتماد المواجهة المباشرة أو الصراع من أجل حقوقها بشكل (مُقنّن ومنظّم) مثلها مثل بنات جنسها في المجتمعات الأكثر تقدمًا.

أهم ما يحمي المرأة المُدّعية المسّ بوعي أو بدونه، أن ذلك المسّ يكون ذريعة للخلاص من واجبات ضاغطة لها ومفروضة عليها، تمقتها أو ترفضها ولكنها لا تستطيع التصريح مباشرة، فمثلًا، يمكن لتلك المرأة بموجب مرضها الادّعاء بأن الجان الذي بداخلها يمنعها من الاتصال الجنسي بزوجها، دون الاعتراف صراحة أن السبب الحقيقي هو نفورها منه أو كرهها له. ويمكنها أن تدّعي أيضًا أن الجان الذي يسكنها هو من ديانة أُخرى فيمنعها من الالتزام بالشعائر والطقوس المطلوبة منها كارتداء الحجاب على سبيل المثال !

المرأة تستنجد في لاوعيها بالجانّ لأنه لا يخضع لنواميس الإنس، ولأنه لا يُحاسب على أفعاله من قِبل الضمير الجمعي؛ فبهروبها إلى الجانّ هي في الحقيقة تهرب من نواميس المجتمع عندما ينطق الجان على لسانها بما تتمنّى، وذلك انطلاقًا بما هو سائد في الثقافة الشعبية والتقليدية عن العلاقة بين الإنس والجنّ، بأنها مبنية على الخوف والرعب والخضوع المطلق والاستسلام من طرف الإنسان، والانتقام من طرف الجان، كما يُشاع.

فالمرأة التي تعجز عن الانخراط والتكيّف مع ضغوط عائلتها وقوانين مجتمعها المجحفة، وترفض التأقلم مع قيوده وتقييداته، وتريد أن تهرب من قيد أبدي عليها كإجبارها على الزواج مثلًا، لا مفرّ أمامها هنا سوى ادّعاء المسّ، لأن ذلك هو المخرج الوحيد لها لتخفيف وطأة الضغط عليها عند شعورها بالغربة والاغتراب عن عائلتها ومجتمعها.

أقول ذلك وأصف تلك الظاهرة المنتشرة جدًا بكل خذلان من هذا البهتان… وأختم هنا بعد كل ما سبق بالاستعاذة مما استعاذ به عليهم السلام؛؛ محمد وعيسى وموسى: أعوذ بالله من بطش كل جبّار عنيد ومن شرّ خادم السحر المريد.

بالتأكيد لهذا الحديث من بقية.. دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !