لا جنسية للتحرّش !!!

لا جنسية للتحرّش !!!
1٬256 مشاهدة

ساءني جدًا كما ساء الكثير غيري ما حدث في برنامج “شباب توك”، في قناة “دوتشة فيلة” الألمانية من إساءة للأردن برجاله ونسائه ومؤسساته جميعًا دون استثناء. لم تكن الإساءة صادرة عن تلك الصبيّة التي تحدّت ثقافة العيب وأعلنت بجرأة لِما تعرّضت له، لأن بوحها لم يهدف إلى التشهير بل هدف إلى تسليط الضوء على تلك الظاهرة القديمة الحديثة المُتفشية في كلّ العالم ليس فقط في الأردن، جُرأة تلك الفتاة من الممكن جدًا أن توصمها للأبد في مجتمع مليء بسحيجة التحرش للأسف الشديد.

ما ساءني أكثر مشاهدة التسحيج من قِبل الكثير ضد تلك الفتاة تأييدًا لوجهة النظر الأُخرى، بحجة أنها أساءت للأردن، والتشكيك بمواطنتها وأنها من غير المعقول أن تكون أردنية الأصل والمطالبة بالتأكد من هويتها، وهل هناك جنسية محصّنة من التحرّش؟؟ أم هل التحرّش يقتصر على جنسية دون الأُخرى؟؟

التحرّش بجميع أنواعه العرضي أم المرضيّ، اللفظي أم الجسدي، المُعلن أم المُبطّن، موجود وكفانا الركون في حالة الإنكار ونفي الحقائق، إن لم تكن تلك الظاهرة موجودة فلماذا إذن تم تشريع نصوص عقابية تُجرّمها في القانون تحت مُسميات مختلفة ؟؟ هل هو ترف قانوني مثلًا؟؟

لست اعتقد بل أجزم أن أغلبية الفتيات والنساء تعرضت في حياتها لنوع ما من التحرش سواء بالتلميح أو بالتصريح بالإشارة أو بالعبارة، لا فرق، لكن ردة الفعل التي شاهدناها وسمعناها هي ما يمنع الفتاة وأهلها الإعلان والشكوى وإثارة تلك المشكلة القبيحة خوفًا من الوصمة الاجتماعية، فتتحول بعدئذ مشكلة التحرش إلى مشكلة نفسية عند الفتاة بلمح البصر جرّاء ذلك، ولكن لا يُسبب ضغطها النفسي مشكلة كبيرة للعائلة هنا لأنه محصور في دائرة صغيرة، في حين إثارة مشكلة التحرّش تُسبب الفضيحة لها ولعائلتها وتبور الفتاة ولا أحد يتزوجها بناءً على ثقافة المجتمع المجحفة.

تلك الفتاة الجريئة في ذلك البرنامج الذي أثار الجدل في المجتمع الأردني وقسّمه بين مؤيد ومعارض، تعرّضت في ذلك الموقف إلى التحرّش المُبطّن على الملأ وعلى الهواء مباشرة، لا أعلم إذا انتبه أي منكم إلى السؤال عن عمرها ثم المحاولة للإشارة بخُبث أنها فتاة بعمر (٢١) سنة ولديّها كل هذه الخِبرات، ماذا تعني تلك الجملة سوى أنها إشارة لسوء أخلاقها لتجربتها – وإن كانت صادمة – رغم صِغر سِنّها !!! أليس هذا تحرّش أيضًا ؟؟

إثارة مشكلة التحرّش وتسليط الضوء عليها لا يُهين الأردن أو المجتمع الأردني بقدر ما يعطي صورة حضارية لرفض شعبها تلك الظواهر ومعاقبة الفاعل مهما كان، أضف إلى ذلك مُصادقة الأردن على الكثير من معاهدات حقوق الإنسان وحماية المرأة من تلك الظواهر القميئة وتحصينها قانونيًا، فلماذا كل هذا اللغو والرغيّ العام إذن ؟؟

الإساءة للأردن تكون عندما نصرخ أمام الكاميرا ولا نتقبّل الرأي الآخر ونُمارس العنف على الغيّر، بفرق العُمر والخِبرة كان من الممكن استقطاب الفتاة ومنحها حريّة التعبير والحماية من رجل بعُمر جدها، هكذا فقط نُظهر الأردن بصورة حضارية وندافع عنه، بالحِكمة والتعقّل واللاعنف لا بالردح والصراخ والإهانة والتشبيح.

أقول لأولئك السحيجة الذين صفقوا لذلك السلوك المُشين وبدأت الآراء بعدها مباشرة من قِبل الأغلبية تُعيد تدوير تلك المقولة الرديئة جدًا (لباس المرأة هو السبب)، هل الرجل الذي لم يستطع كبح جماح غرائزه عندما يرى لباس فاضح – حسب تعبيرهم الفاضح – لم يرقَ إلى مرتبة الإنسان وبقي غرائزي كالحيوان بعدم ضبط دوافعه الجنسية؟؟ هل يُعقل هذا الرأي ؟؟ لماذا إذن يتم التحرّش بالمتحجبات لا فقط المتبرجات؟؟ لماذا يتم التحرّش بكبيرات السنّ؟؟ لماذا يتم التحرّش بالطفلة؟؟

بكل أسف وألم تُرافقه الحسرة وحالة من الذهول نقول رغم كل الجهود المبذولة ما زالت الضحية هي من تدفع الثمن، وعلى الرغم أيضًا من التقدّم العِلمي والتكنولوجي إلاّ أننا ما زلنا نراوح مكاننا في قضايا المرأة للأسف الشديد.

قد لا يعجب البعض أو ربما الكثير كلامي هذا لكني لا ولن اكترث سوى بضميري العِلمي والمِهني والأخلاقي، الرأي الآخر (البنّاء) يُصحّح مساري أما ذلك (الهدّام) فسيزيد من إصراري. لا أبالغ إن قلت أنه يوميًا يمر علينا حالات تقشعرّ لها الأبدان من أشكال التحرّش في البيت والمدرسة والجامعة ومكان العمل وفي الشارع كذلك، ونحن هنا نُرقّع الفتق ونعالج نتائج ولا نحلّ الأسباب، كيف نحلّها مع هذا الكمّ الهائل من السحيجة المُصفقين للتحرّش ولِمن ينكر وجوده ؟

هذه هي نتائج مرحلة (الهشاشة المعرفية) التي نعيشها، فلا نفكر بقدر ما نستحضر أفكارًا، وهذا المزاج الفِكري الرديء لا يصنع الحاضر على الإطلاق خصوصًا في ظلّ الاستنكار الاجتماعي (الخجول) باتجاه التحرّش؛ فالشرف والأمانة طباع أصيلة لا صنائع دخيلة، وشرف الرجل الحقيقي الأصيل أن يكون مليئًا بالجُبن عندما يرى المرأة في الشارع وفي أي مكان.

هذا الحديث على وجه الخصوص حتمًا له بقية…. دمتم….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !