على وين الدرب مودّينا ؟؟؟

على وين الدرب مودّينا ؟؟؟
1٬684 مشاهدة

لم يحدث أن مرّت مرحلة في التاريخ الإنساني والعربي على وجه الخصوص تُنافس مستوى (الإرهاق النفسي) للإنسان العربي مثل الحقبة الحالية؛ حقبة الضغوط النفسية، ومستوى (الخيبات) كذلك لِما يحدث الآن في الساحة العربية وحتى المحلية..

التغيّر الاجتماعي السريع والمتسارع جدًا بجميع أشكاله ومناحيه؛ السياسية والاقتصادية والثقافية وحتى الأخلاقية، لم يعُد يُقاس بمقياس السنوات أو الأيام أو الساعات، بل ربما بمقياس الدقائق أو الثواني، إلى أن وصل الحدّ لم يعُد باستطاعة العقل العربي استيعاب ما يحدث من شدة تسارع التغيّر وما يُسببه من حالة من الذهول في فضاء النفسية العربية.

الأحداث تتوالى كالغيث، وسيّل الدماء جامح لا يتوقف ولا يعترف بالحقوق الإنسانية، وتيرة الحياة المرهقة الرديئة تُسابقنا ولا نسبقها. تلك الحالة المُحبطة جدًا للعربي أثّرت على نوعية علاقاته الإنسانية نحو الأسوأ للأسف الشديد، لدرجة غدت الحوارات مختصرة جدًا ومقتصرة على وسائل التواصل الاجتماعي، لأن طاقته استُنفذت وحيله انهدّ وجيبته انخزقت..

أمسى (العنف) يُمثّل حلًا سريعًا لا بل الحلّ الأسهل بسبب الطاقة المهدورة اقتصاديًا وسياسيًا للإنسان العربي؛ فالعنف هو الحلّ للمشاكل العالمية والعربية وحتى الشخصية للأسف. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ بل تعاظم الأمر خطورة بتعاظم استخدام المُخدرات والمُهدئات وأخواتها للهروب من واقع الحال وما آل إليه في الأرض العربية والمحلية..

ولنُدقق النظر جميعًا في هذا العصر وتلك الحقبة الحالية المرعبة، وليأخذ أيّاً منّا مقياس للحياة، ولنقرأها ذهنيًا لنراها بأم أعيننا، ربما وقتئذ نستطيع أن نرى إلى أين نحن ذاهبون الآن مع مدّ التغيير الجارف المُخيف الذي يجذبنا نحو اتجاهات (قسرية) لا طوعية، وقد لا تكون من اختيارنا، أو ربما لن تُرضينا جميعًا..

إن اعترفنا جميعًا أن الضغط النفسي هي سِمة العصر الحالي وأن تبعاته علينا نحن العرب شديدة الوطأة والتأثير، سنعرف عندئذ أن لِكُلّ منّا عتبة للتحمّل وقدرة على تحمّل مقدار معين من الضغط لا أكثر، تلك القدرة تتحدد بيولوجيًا وتربويًا ويُضاف إليها الآن الخبرات المأساوية المُتراكمة للعربي في وطنه الصغير والكبير على حدّ سواء. وفي جميع الأحوال إن تجاوز عتبة التحمل للعربي هو بمثابة اللعب بالنار، لأن تحمّل الشدّة والعوز وضيق الحال لأي منّا لا بدّ أن يترك معه آثار وخيمة على أجسامنا وعقولنا، وهنا سيمتلىء المجتمع مرضى نفسيين لا يُعتب على تصرفاتهم؛ لأن مرضهم وملفهم الطبّي سيعفيهم من الحساب والعقاب. مجرد أن أتخيّل مجتمع قادم لا محال بهذه المواصفات أُصاب بالرعب الشديد وأخاف عليك يا وطني..

هذا الضغط الذي يُهاجم نقاط الضعف الإنساني يترك أثره على “هرمونات السعادة” التي من المفروض أنها موجودة أصلًا في عقولنا ولكنها تلاشت لينتج عنها معضلات وأمراض العصر النفسية الشهيرة؛ كالاكتئاب، والقلق، وصعوبات التأقلم الحياتي، والوسواس القهري، والرهاب، وغيره من بقية القائمة النفسية..

نحن جميعًا نركض إلى الأطباء عندما نشعر بالإعياء لمعالجة قلوبنا المُتعبة وَمِعَدْنا المُتقرحة ورئاتنا الموشحة بالسواد من السجائر، لكن قليلون جدًا من يقاوم التردّد لعلاج ضغوطه النفسية، وهنا الكارثة الحقيقية ومكمن الخطر.

وللعلم فقط إن جميع قائمة الأمراض النفسية هي نتاج عضوي لتكاليف الحياة المُرهقة، والتي تُسبب عِلَلْنا وأمراضنا، ليس فقط بسبب الظروف العربية والمحلية الضاغطة، وإنّما هناك مساحة يجب أن لا ننكر وجودها ألا وهي اختلاف استعداداتنا الشخصية وقدرتنا على التحمّل..

نعم صحيح أننا جميعًا وصلنا لمرحلة (اللافعل) وأصبحنا جميعًا ننتمي (لحزب الكنبة)، ولكن ليس بأيدينا أن نوقف طوفان الأحداث المُتسارعة، وربما لا نستطيع السيطرة على الضغوط المُترتبة على ذلك أيضًا، ولكن ما نستطيعه حقًا هو أن (نُعالج) مشاكلنا النفسية الناجمة التي تؤثر على نوعية حياتنا وعيشنا، وضررها أشدّ وطأة على الإنسان وأكثر خطرًا على الوطن..

عافانا الله وعافى الوطن وعافاكم جميعًا، ولا يسعنا هنا سوى القول باستهجان واستنكار “تعب المشوار”؛ على وين الدرب مودّينا، وعلى أي شط مرسّينا، يا بحر اتركنا عالمينا وخلّينا صغار….
حتمًا في هذا الوضع العربي المُزري سيكون لهذا الحديث من بقية… دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !