ليش هيك أولادنا ؟

ليش هيك أولادنا ؟
1٬243 مشاهدة

أكاد أسمع عبارات مثل ليش أولادنا هيك؟؟ ليش أولادنا مو زينا؟؟ ليش الجيل الجديد متعبنا؟؟ وغيرها من العبارات المشابهة بشكل يومي تقريبًا. ومثل تلك التساؤلات مشروعة جدًا في العصر الراهن، كيف لا وهو “عصر العجائب”.

التربية الأُسرية هي ممارسة فنّ الممكن؛ صحيح أن جذورها مُريرة لكن ثمارها حلوة جدًا إن أتقنّاها. فما يتعلّمه أبناؤنا في أحضاننا لا يُمكن أن يُمحى أبدًا.

لو أمعنّا النظر قليلًا في طريقة التربية العربية نجد أنها تُركّز على (التبعية والاعتمادية) للأسف الشديد، فهي بالتالي تحمل جانبًا سلبيًا، لذلك لا غرابة على الإطلاق إن سبّبت ثغرات في التكوين السيكولوجي للطفل. فنجد الطفل العربي أقل إبداعًا وخيالًا من نظيره الغربي أو ممّن يتربى على الاستقلالية في أقل تقدير.

أضف إلى ذلك وجود ثغرة أُخرى في طريقة التربية العربية تكمُن في تكوين عوامل القوة في نفسية الطفل وتشكيل (الأنا العليا)، مردّ ذلك بالطبع هو التركيز على الالتزام بالأدب خوفًا من الشعور بالعيب أو العار بدلًا من تنميّة الشعور بالمسؤولية؛ فالطفل يتعلّم كنتيجة لذلك الالتزام بالطاعة وحدود الأدب رُعبًا من العقاب وليس انطلاقًا من الاحترام والحُبّ. وبذلك يخاف الطفل لوم الآخرين وانتقادهم له أكثر بكثير من أن يكون مُطيعًا لضميره هو؛ فبدلًا أن يكون الانضباط (داخلي) لديه وبين ثنايا ذاته تكون ضوابطه (خارجية) فقط، وهذه هي الكارثة التربوية حقًّا.

من المعلوم أن التربية العربية أيضًا تتميّز بالحماية الشديدة والاهتمام الزائد بالأولاد، فالأهل كثيري الحماية يشرفون على كل شؤون الطفل، بحيث يصبح (مسلوب الإرادة) وفاقدًا للقرار، فتُشرف على كل شؤونه من باب اللطف به والعطف عليه إشرافًا يفقده كل محاولة (فردية) للتعلّم وتطوير قدراته.

ميّل الأم والأب إلى تصنيع (نُسخة) ثانية طبق الأصل من الأبناء والبنات عنهم يقتل فيهم الحُريّة في الاختيار، أي أنهم يسلبونهم الحُريّة الفردية. فما تستغربوا إذن ليش أولادنا وبناتنا هيك !!

تلك التربية التي تتميز بها الأُسرة العربية تستوقفنا عندما نتقدم في العمر، فنتذكر مراحل مُحترقة لا نحترمها أحيانًا، وحينما يمرّ أولادنا بما مررنا به نستنكر عليهم ذلك ونُحاكم حاضرهم بعين حاضرهم، ولكن الصحيح هو أن نُحاكم حاضرهم بعين ماضينا أيام كنّا بعمرهم، وكيف كنّا مستائين جدًا من التربية الخانقة مثلهم تمامًا.

اتركوا لهم مساحة وحُريّة القرار والاختيار، ولا تعيدوا إنتاج ماضٍ كنتم تشكون منه بحسرة وألم، وربما دفع البعض منكم ثمنه غاليًا، وهناك الكثير ما زال يعاني إلى الآن من عُقّد الطفولة والحِرمان العاطفي رغم ما أحرزوه من نجاح باهر.

إن سرّ الصحة النفسية في التربية هو (الحُبّ) والحُبّ فقط، وثِمارها هو الوجدان السليم للأبناء والبنات، ووقايتهم جميعًا من الاضطرابات السلوكية كالعنف والكذب والسرقة والغضب والعصبية والغيرة وغيرها من الآفات النفسية والاجتماعية؛ فالحُبّ هو الرهان الوحيد هنا.

دلائل الحُبّ في التربية تعني أن نقود أبنائنا وبناتنا إلى الطريق السويّ من خِلال كلماتنا وأفعالنا المُعبّرة عن الحُبّ، ومن خلال سلوكاتنا النموذجية أمامهم، فنُحاسب أنفسنا قبل مُحاسبتهم.

ولعلّ قضاء وقت (نوعي) معهم وشرح وجهات نظرنا حول كافة المواضيع التي تهمهم والتحدث معهم بصراحة وانفتاح يجعل قنوات التواصل معهم مفتوحة دومًا دون خوف من العقاب أو حتى تردّد. هذا فقط ما يحميهم ويبعدهم عن أصدقاء السوء والأنشطة الضارة، وأهم ما يحتاجه أولادنا منّا هو مدحهم وتعزيزهم عند محاكاتهم لسلوكات إيجابية مُنتجة ومقبولة اجتماعيًا، تلك هي فقط دلائل الحُبّ التي تصنع المعجزات في تربية الأولاد والبنات.

يتّسم هذا الزمان بسرعة إيقاع الحياة، كيف لا وهو عصر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي العديدة اللامتناهية والموبايل والفضائيات والألعاب الإلكترونية وغيرها من التقنيات الحديثة، تلك التي جعلت من الأبناء والبنات ضحايا لها لا بل عبيدًا أيضًا.

هذه الحقبة الزمنية الحالية توسم (بمشاعية) التربية لا (حصريتها) على الأب والأم كما كانت سابقًا؛ فأمسى عُمر التربية للوالدين قصيرًا جدًا، وأضحى الإعلام والإنترنت بكافة تجلّياته شريكًا أساسيًا مع الأُسرة في التربية وربما طغى على دورها أيضًا.

لذلك وانطلاقًا من تلك المشاعية القسرية في التربية والشراكة الجديدة التي فُرضت علينا دون استئذان، نحن بحاجة هنا إلى التعديل على نمط التربية العربية لتتناسب مع العصر الحالي وأدواته وشراكاته الكثيرة لنضمن الصحة النفسية لأولادنا وبناتنا.

فإذا أردتم أولادكم كثيري الثقة بالنفس أحيطوهم في جوّ من التشجيع، وإن أردتم أن تعلّموهم الصبر أحيطوهم في جوّ من التحمّل، وإذا أردتم أن تعلّموهم الرضى والمحبة الصادقة أحيطوهم بجوّ من المديح والثناء، وإن أردتم أن تعلّموهم العطاء والكرم أحيطوهم بجوّ من المشاركة، وإذا أردتم أن تعلّموهم الصدق أحيطوهم بجوّ من النزاهة، وإن أردتم أن تعلّموهم العدل أحيطوهم بجوّ من الإنصاف، واذا أردتم أن تعلّموهم الاحترام أحيطوهم بجوّ من مراعاة المشاعر.

أما عندما تشكون من كذب أولادكم فهذا دليل على إحاطتهم بجوّ من المحاسبة والانتقاد، وعندما تشكون من عدوانيتهم فهذا دليل بإحاطتهم بجوّ مليء بالإحباط والعنف، وعندما تشكون من ضعفهم وقلقهم فهذا يدلّ على إحاطتهم في جوّ من الخوف، وعندما تشكون من حُبّهم للعزلة والانطواء حتمًا يدل على جوّ الوحدة الاجتماعية المحاطين به بفضلكم، أما شكواكم من كثرة خجلهم اسألوا أنفسكم عن جوّ السخرية الذي تُحيطوهم به، وإن كنتم تشكون من كثرة حسدهم لغيرهم ابحثوا عن جوّ الغيرة الذي غمرتوهم به، وعند الحديث عن اهتمامكم الزائد وحمايتكم الزائدة لا تستغربوا أبدًا أن أولادكم اعتماديين ولا يعتمدوا على أنفسهم البتّة.

اعتقد أن في جُعبتكم من الشكوى هناك الكثير الكثير، لذلك أدعو القُرّاء هنا أن يقيسوا ما لم نقُله على منوال ما قُلناه ممّا سبق، ثم اسألوا أنفسكم لماذا أبنائكم وبناتكم هكذا ؟؟

التربية هي الرعاية وإغراق (الحُبّ) لا مُصادرة الفِكر والتأمل والكينونة المُستقبلية، في هذه الحالة على وجه الخصوص نستطيع أن نكون أصدقاء أبناءنا ولا نكتفي بممارسة دور القيّم عليهم وتدوم صفتهم لنا كأبناء فقط لا أصدقاء كذلك.

الأولاد والبنات بحاجة إلى نماذج أكثر من حاجتهم إلى نُقّاد، وليتنا نهتم بما (نتركه في) أبنائنا أكثر من اهتمامنا بما (نتركه لهم)؛ فكل شيء زائل إلاّ الضمير والأخلاق..

في مواضيع التربية الصحية حتمًا سيكون هناك للحديث من بقية… دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !