جيل مسخّم

جيل مسخّم
3٬417 مشاهدة

أقلّ من عقدًا واحدًا بكثير في هذه الحقبة الغريبة العجيبة المُتسارعة جدًا كافٍ لإحداث أعراض هوّة الأجيال، لا بين الأجيال فحسب وإنّما بين الجيل الواحد أيضًا، وهنا تكمُن الخطورة، ويعود السبب في ذلك إلى غياب الجاهزية أُسريًا وضعف المؤهلات تربويًا للتعامل مع هذا الجيل اليافع، أضف إلى ذلك عدم القدرة على مُلاحقة تسارع التغيّر الاجتماعي في بُنية المجتمع العربي.

أما الأهم المُبكي على هذا الجيل (المسخّم) هو أننا لم نترك له نماذج بطولات أو أيّ انتصارات يؤرّخها التاريخ لهم، على العكس من ذلك؛ فقد شهِدوا مرحلة الذلّ والهوان العربي، ولم يرسخ في ذاكرتهم سوى قيّم الفردية (والأنا النرجسية)؛ فلم يعُد للضمير والعقل الجمعي أي سطوة عليهم أو حتى أيُّ تأثير يُذكر.. شفتوا ليش هالجيل مسخّم؟؟ حتى لو مُتعبنا وغير قادرين على التعامل معه والتفاهم معه بشكل صحيح لا ينفِ ذلك بالطبع أنهم مسخّمين..

لا غرابة في ظل هذا المشهد العربي الحالي الخاوي أن يتعلّم هذا الجيل (الأنانية)، الأمر الذي نتج عنه عقوق الوالدين، وعقوق المعلّمين، والتمرّد على كل قيّم المجتمع وأعرافه، والوقوع في أسْر الأنا الفردية والمصالح الذاتية الآنية. كيف لا وهم ضحايا ثقافة الغرب المُستَعمِرة واندحار ثقافة العرب في أوطانهم المُسْتَعمَرة ؟؟!!

وهل في تاريخ العرب الحديث غير ذلك يورثه للجيل الحالي؟؟ ماذا شهد هؤلاء الأولاد والبنات غير عصر المؤمرات والخيانات والأذى سواء في الوطن الصغير أو في الوطن الكبير ؟؟!!

لا هذا الوقت ولا الزمان مناسب أن نكون من البواكي على جيل المدّ القومي، وليس من اللائق كذلك أن نستنكر استخدام تطبيقات الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، أو حتى الأغاني التافهة، وجِلّ الشعر، والبنطلون الممزوع، وغيرها من مظاهر الجيل (الكوول)، فليس من الجدوى أن نوقف الزمن أو حتى التاريخ.

الأسئلة المحورية التي تطرح نفسها هنا في ظل هذا التسارع التكنولوجي وتغيّر الجيل والهوّة السريعة بين الأجيال هي: هل من المعقول تلك الهوٌة أن لا تترك وراءها خسائر ومُترتبات؟؟ أليس من المُتاح وربما المُباح كذلك أن يقود هذا التسارع إلى غموض الهدف وضبابية الهوية؟؟ وهل يتوافق نضوجهم المعرفي (المتواضع) مع ذلك الشغف (التقني) وولع المظهر على حساب الجوهر؟؟ هل تعلّم الجيل الجديد – ونحن كذلك – صناعة الأشياء بمستوى الاحتراف في استخدام الأشياء واستهلاكها؟؟

اعتقد أن الجيل الحالي يحتاج إلى نظرة أُخرى من قِبل الأهل ونظام التربية والتعليم، لأنه بات من غير المُجدي إسداء النصائح، وأمسى النُصح والإرشاد والتوجيه مُستهلك وغير مسموع. هذا الجيل الحالي يبحث عن الاستقلال وعن طرائق تفكير تُحاكي مدخلاته الجديدة واهتماماته الخاصة وإن كانت غريبة، لذلك غدا التفكير الجامد المُقولب والمُتخم بالانتقاد والشكوى أكثر استفزازًا واستثارة سلبية لهم. الأجندة الخاصة لهذا الجيل مُتباينة بشدة عن الجيل السابق له وفي أحيان كثيرة في الجيل ذاته..

فِطرة الإنسان المجبولة على البحث الدؤوب لتجديد وسائل التواصل انتهى بنا إلى هذا القرن، وأهم ما يُباهي به بل ويتبجّح أيضًا هو (السطوة العارمة) للمعلوماتية، وسهولة التواصل بين جميع أرجاء المعمورة، وهذا الجيل المُسخّم يتفلّت للخروج من القيود نحو الرغبة في اتصال لا يعرف الحدود ولا يعرف معايير الأخلاق ولا حتى مدى المقبول، ودون رقيب أو حسيب !

المُربك في هذه المرحلة؛ مرحلة (المشاع البشري) للناتج الإنساني في المجتمع العربي على وجه الخصوص – وهذا سائد في جميع الثورات الصناعية على حدّ سواء بدءًا من الثورة الأولى إلى الثورة الرابعة التي نحن في كنَفها حاليًا -، أن امتلاك الأدوات الجاهزة إذا لم تُحاكي مستوى الفهم والتطوّر الحضاري والمعرفي فهي تدخل في باب النقمة لا النعمة، وتجلب التأخر لا التطور، وتقودنا إلى استخدامات وتطبيقات شاذة وضارّة وغريبة علينا؛ فنُمسي كالطفل الذي يستخدم مسدس أبيه وهو في سنوات عمره الأولى!! هذا هو وضعنا حاليًا في هذه المرحلة: مرحلة المشاعية العنكبوتية والتكنولوجية غير المدروسة (عربيًا) على الأقل!!

بناءً على ما ورد أعلاه وإن بدا قاسيًا أو جامدًا، يكون المطلوب من الكبار والتربويين إذاً إما أن ينزلوا أو يطلعوا – لا فرق – بِطُرق تواصلهم وحوارهم مع هذا الجيل، لا نريد من ذلك بالطبع (نكوص) هذا الجيل وتراجعه عن مُعطيات العالم، وإنّما من أجل تثبيت ما يجب أن يثبت من الهوية والأخلاق في أقل تقدير، أو ربما الرغبة في الحفاظ على بقايا ما تبقّى من تاريخنا الجميل، على الرغم أنني أشعر بالحزن الشديد عليهم؛ فلم يبقَ لدينا ما نورثه لهذا الجيل (المسخّم) من نماذج للإنجاز والإنتاج والتميّز الحضاري، ولا حتى أيّة بطولات أو انتصارات في الحروب الحديثة سوى حروب العرب الطاحنة ضد بعضهم البعض، يبدو أن تاريخ الحضارة العربية المشرّف الذي أورثنا إياه أجداد أجداد أجدادنا لن يتكرّر، ربما علينا أن نتذكر دومًا أن الميّت لا يعود.. يا حرام على هالجيل المسخّم..

وأختم هنا بالتساؤل التالي فقط، لأنني اعتقد أنه كافٍ لوصف ما أريد من القارىء أن يصل إليه: “كيف يستقيم الظلّ والعود أعوج ؟؟”…
أصلحوا اعوجاجكم أيها المسؤولين أينما كُنتم ليستقيم الجيل الحالي ومن خَلَفَه.. ويبقى لنا من هذا الحديث بقية… دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !