البطولة ماتت في الربيع !

البطولة ماتت في الربيع
1٬200 مشاهدة

هزيمة العرب على الأرض حدثت منذ عقود مضت، والهزيمة (المعنوية) للمشروع العربي منذ سنوات (الربيع العربي) المزعوم التي خلَت قد طفت في نفوسنا جميعًا، ونحن الآن في فصل الربيع إلاّ أن طقس العرب ما زال خريفًا؛ فاستمر تساقط أوراق الوحدة وأقنعة الأمان واحد تلو الآخر حتى أوشك كتاب ‘تاريخ العرب المُشرّف’ على النفاذ؛ فليس به حاليًا سوى صفحة الاسم والجِلدة الأخيرة، ولم يتبقَّ بينهما سوى أوراق قليلة ستسقط قريبًا في (صفعة القرن).

يبدو أن فصول السنة للوطن العربي ستبقى خريفًا،، لا سمح الله. ورغم ذلك الوضع المُزري، إلاّ أن الامل ما زال لدينا، وإن كان شحيحًا، وستبقى بذور ومكونات (المقاومة) صامدة، وإن ضعُفت أو خفّت بريقها؛ فلا داعٍ للخوف أيها الشرفاء.

الصدمات الذهنية المتتالية التي عاشها العربي أدّت إلى قولبة الصورة المرسومة (للبطولة) مظهريًا ونفسيًا في أدمغتنا جميعًا، وعبر نكسات متوالية، نحو أُخرى تُناقضها تمامًا وفي كُلّ تفاصيلها، الأمر الذي أوقعنا جميعًا في مطبّ الحيرة، بين مسح الصورة المُزمنة المنقوشة كالوشم للبطولة العربية، وبين إحلال الأُخرى الجديدة الفاهية والبشعة (والذليلة) للكرامة العربية مكانها، باعتبارها واقع الحال للأسف الشديد..

لعلّ المَثل العربي الشهير “والضدّ يُظهر حسنه الضدّ” والذي كان هو الوصف المُطلق على تباين شيئين ليصف حالتهنّ على الأطراف، اعتقد الآن وجب علينا تعديله بالآتي “والضدّ يُظهر (سوءه) الضدّ” لا حسنه؛ فهذا هو حالنا وما نُقش في عقولنا وأنفسنا في الوقت الراهن،  أمّا ما كنّا نتغنّى به دومًا في البطولة وارتباطها بالكرامة، فقد حلّ محلّها الذلّ والهوان والإذعان في ظل البطولة الغائبة وربما المفقودة، وهيهات.

سيادة نمطية البطل هي عميقة الاعوجاج في العقل العربي الموروث؛ فالبطل العربي يملك من المواصفات لم يأتِ مثلها في عصر العرب الحديث، ولم يخطُ حتى على أبوابها أحد، المُتطلّب الشكلي لنموذج البطل جعل بعض النماذج (الممسوخة) تتبوأ موقع البطولة في الدماغ الغوغائي العربي، إمّا لنُدرة أو ربما لغياب الأبطال الحقيقيين المحفورين في أدمغتنا.

سِمات الرجل البطل في سواد العقل العربي الموبوء بالنمطيات المغلوطة، قادت الأغلبية إلى التغاضي عن الكثير من السِمات المزعجة ليوطّنوا في عقولهم موقع البطل الجديد، ضمن رغبتهم المُلحّة وشغفهم لوجود بطل – أيّ بطل – يُعوّل عليه الأمل يومًا ما، وليمنحهم الطاقة للاستمرار في زمن الذبول والانكفاء العربي، هذا الأمر الذي أسقطنا كُلّنا ضحية (الحداد) على صورتنا الدماغية للبطل الذي تهاوت صورته كورق الخريف؛ خريف العرب اللامنتهي.

وأتساءل هنا كما تساءل عالِم الاجتماع عبد الوهاب المسيري؛ هل تموت الفروسية بموت الفارس؟؟ هل تموت البطولة باستشهاد البطل؟؟ وهل يختفي الصمود إن رحل بعض الصامدين ؟

الحِداد النفسي الذي نعيشه جميعًا حاليًا على نموذج البطل المفقود ونحن في فصل الربيع لا بدّ أن ينجلي عن حلول، إن وأقول – إن – استفدنا من خِبرات (الهزيمة) والخديعة، لعلّنا نصحو من شِرك النمطيات المُزيفة رحمها الله؛ فالبطولة ستبقى غائبة إلى ذلك الحين، وحتى يأتي ذلك الحين سنبقى في زمن أشباه الأبطال أو صور مشوّهة عنهم،، ويا مغيث.

أختِم بكلمات سعاد الصباح في هذا الإطار: “لماذا تهتم بشكلي ولا تُدرك عقلي؟؟ ليس في الأمر انتقاص للرجولة غير أن الشرقي لا يرضى بدور غير أدوار البطولة”. عطفًا على كلماتها وتوكيدًا لِما قالته أتمنى هنا أن يركز الرجل العربي – كما كان – على البطولة كما يركز الآن على الذكورة، وشتّان بينهما..

نسأل الله أن تُزهر البطولة في الربيع مرة أُخرى ولا (تُصفع) في هذا القرن ولا تموت؛ فالميّت لا يعود.

دومًا لنا في الحديث بقية. دمتم.

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !