بدّنا ضريبة على الأخلاق

بدّنا ضريبة على الأخلاق
2٬100 مشاهدة

الأخلاق هي الجدار المنيع لحماية الوطن ومواطنيه، وعند انهيار هذا الجدار نتوقّع ما لا عين رأت ولا أذنٍ سمعت وما لا يخطر على البال.

الإفلاس في عالم (الأخلاق) والقيّم أشدّ خطرًا من إفلاس (المال والأعمال والأشياء)؛ فالأخير هو إفلاس مؤقت سيزول يومًا ما، فطبيعة الأشياء المادية يسهل تحصيلها كما يسهل فقدها، لكن عند الإفلاس الأخلاقي تقع الكارثة حقًا ونتائجها وخيمة على الوطن ومواطنيه، أما حلّها فيحتاج إلى وقت طويل وجهد كبير وإرادة أكبر بكثير..

في ظل هذا الوضع العربي المتردّي تبرز هذه التساؤلات المشروعة: كيف يُمكن لنا التأقلم في بيئة عربية اجتاحتها فوضى الأخلاق إلى حدّ استدراجها إلى مستنقع السقوط؟؟ وكيف نستطيع التكيّف مع الظروف العربية الراهنة في أوطان تنقصها تُربة صالحة نظيفة لزرع القيّم والأخلاق – إن بقي منها شيء – بعيدًا عن الطفيليات السابحة في عقول البشر والحشرات الزاحفة في نفوسهم ؟؟

الخروج من الأزمة الأخلاقية التي نعيشها في الوقت الراهن عربيًا ومحليًا على حدّ سواء، لن يتأتّى باستيراد قيّم غربية دخيلة ولا بغياب شِيَم عربية أصيلة، ولن يتحقّق بالصيغ الخطابية والوعظية، وإنّما بالرصد الواعي لمواطن الخلل الحقيقي، ثم استلهام الرؤية التصحيحية من رصيد الأُمة الأخلاقي قبل أن يندثر ويُمحى ما تبقّى منه، وهذا حتمًا يتطلّب جُرأة في التقييم والتقويم قبل أن يُصاب المجتمع بالشلل الأخلاقي ويفقد فاعليته العقلية والنفسية والاجتماعية.

على الرغم أن إمكاناتنا الحضارية في نموّ وتوسع من (الخارج) وإن كانت مبنية على ثقافة الاستهلاك والتقليد، إلاّ أن حضارة الإنسان الأخلاقية من (الداخل) هي لا شكّ في تراجع، والدليل على ذلك قُدرة العربي على الإضرار بنفسه ومجتمعه ووطنه الكبير، كيف لا وهو عارٍ الآن من ثوب الأخلاق؟؟ فقد خلعه عندما نُزعت كرامته وخُلعت وحدته ومُزّقت أوطانه. 
فمعارك الأُمة الهزلية الي أنهكتها لم تقتصر هزائمها عند هذا الحدّ فقط، بل تعدّى ذلك إلى أن قاد مواطنيها أعظم المعارك النفسية، وحُسمت على حساب الكرامة، وبدلًا من صناعة الانتصارات الكُبرى انتهت بالهزائم والخسارات العُظمى، فضاعت الكرامة وسُحبت معها الأوطان وماتت الأخلاق رحمها الله..

الأزمة الأخلاقية والإفلاس الأخلاقي الذي نعيشه الآن نشهده في كُلّ مكان وزمان؛ نراه في الشارع والطُرقات ونحن نعبر الطريق، نراه في السوق والمولات، نراه ونحن نبيع ونشتري أو ربما نُباع ونُشترى إن جاز التعبير، نراه ونحن نتعامل مع المدير أو حتى الأجير، نُلاحظه ونحن نُراقب علاقة القلّة السادة بالكثرة القاعدة، نراه في مؤسساتنا جميعها دون استثناء، في مدارسنا وجامعاتنا وفي كُلّ مكان، نراه في العالم الواقعي والافتراضي بلا فرق، فهي موجودة في كُلّ مكان بين الصغار والكبار والحمد لله.

أضحت العلاقات الاجتماعية وسُبل التعامل بين المواطنين تشي بانحطاط أخلاقي؛ فهي تفيض بالغش والزور والخيانة والنفاق والكثير الكثير من السقطات المدويّة التي تنخر في الوطن حدّ التسوس وتدفع به نحو القاع!! ولذلك سقط (النموذج) وتورّطت القدوة، فارتفعت أصابع الاتهام وعَلَتْ معها أصوات العزف على المحظور للأسف الشديد..

كُلّما أمعنّا النظر في وضع مُجتمعنا ووطننا الصغير والكبير وغصنا في تفصيلاته وفي طبيعة حراكه سنزداد يقينًا بأن (المشروع الأخلاقي) فقط هو الحل، ولا بديل عنه، وبما أننا اعتدنا على الضرائب المُوجعة فتخدّرت أجسادنا مِنها كما أُنهِكَتْ جيوبنا، وبما أن خدرنا العاطفي يزداد قُبحًا يومًا بعد الآخر، فاعتقد أن العودة المحمودة للأخلاق في بوتقة (الكرامة) مرة أُخرى لن يتحقّق إلاّ بفرض ضريبة جديدة على الأخلاق، وربما بحاجة إلى غرامة أيضًا عند نقصها وغيابها، لعلّنا بذلك نُساهم في بقاء منظومة الأخلاق بجذور ممتدّة في أعماق المجتمع ومخياله، عندئذ فقط يبقى الفساد دون رأس ويسقط على محراب الأخلاق مدويًّا وبالضربة القاضية..

نموّ المُجتمعات وازدهارها لا يكون بثورة الخبز والجوع، وإنّما بثورة أخلاقية عارمة تمسّ الجذور وتُعيد صياغة عقل العربي نحو الصواب ونحو أفقٍ جديد ومُختلف جذريًا؛ النقطة المفصلية هنا ليست بين حال الرثاء وحال الثراء، وإنّما بتغييرًا راديكاليًا في السلوك والممارسة والتعامل بين الناس بأخلاق عربية أصيلة مليئة بالقيّم الجميلة والمُحترمة جدًا..

نحن أُمّة ما زالت ترنو إلى عالمية مرة أُخرى إن بقي لنا مجالًا للحلم العربي، تلك العالمية لن تتحقّق إلاّ بالأخلاق المرجوّة، التي تتعدّى الأفراد والأقطار، وتكون بوّابتها نحو نقلة حضارية عنوانها الأخلاق والقيّم لا غير، تقوم على ضخّ العدالة والإنسانية والسلام في شوارع الوطن العربي قبل ضخّ المال؛ هو منهج أخلاقي يقضي على الفساد وتُجّار الحروب واحتلال البلدان والشعوب..

على الرغم أننا نصف وضعنا الحالي بأنه حالة من (الأزمة الأخلاقية)، وعلى الرغم أن تعريف الأزمة بأنها مُحدّدة الزمان أي بالعامية – فترة وبتمرّ – إلاّ أنّنا حقيقة ما نواجهه حاليًا ناجم عن بُنية فساد، مما سبّب انعدام السلوك الأخلاقي في التعامل مع الآخر وحتى مع الوطن..
لست اعتقد بل أجزم هنا بأنه ليس هناك ما هو أهم من الأخلاق ليكون لنا فيها حديث آخر وبقية أُخرى… دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !