عام النكفة !

عام النكفة !
1٬214 مشاهدة

إضافة إلى الأحداث المفصليّة الثابتة والكثيرة جدًا على الخط الزمني الطولي في تاريخ العرب، التي تُقسّم الحياة والزمن إلى ما قبل الحدث وما بعده، زمن انتهى وزمن ابتدى، أُضيفَ قبل أيام حدث مفصليّ جديد هو الأخطر على الإطلاق في يوم ذكرى النكبة القديمة (نكبة فلسطين) قبل سبعين عامًا؛ فأضحى الحدث المفصليّ (الحديث) المُقترن بالعرب عمومًا وبفلسطين خصوصًا هذا العام هو عام (النكفة)؛ والاسم مأخوذ من الفِعل نكف ويعني – تنصّل وتبرّأ – كما تنصّل العرب من حماية القُدس وتبرّءوا من أُختهم المنكوبة فلسطين،، مع إنه تربينا إنه العرب إخوات !!! يبدو أننا واهمون وتربايتنا خاطئة في هذا الموضوع !!

وبعد هذه (النكفة) يصبح تاريخ فلسطين بأحداثها المفصليّة الثلاثة كالآتي:
عام ١٩٤٨ عام (النكبة) في تلك الفترة ما زال العرب في قوتهم وتماسكهم ورغم ذلك ضاع الجزء الجميل من فلسطين بعد التحرّش بها، عام ١٩٦٧ عام (النكسة) في ظِل تراجع وتواطؤ بعض العرب وضاعت كُلّ فلسطين بعد اغتصابها، عام ٢٠١٨ عام (النكفة) ضاع الوطن العربي كُلّه وضاعت القُدس لا فقط فلسطين، وتواطأ هنا كُلّ العرب (فنكفوا) وتنصّلوا من حماية القُدس عاصمة فلسطين وقُدس العرب جميعًا مُسلمين ومسيحيين؛ فنُكِحَت كرامة العرب جميعًا دون استثناء على الملأ وعلى عينك يا تاجر..

بعض العرب كان مُجبَرًا بضم الميم وفتح الباء – أي مغصوبًا – والباقي مُجبِرًا بضم الميم وكسر الباء – أي مُغتصِبًا – فاغتصبوا الأرض واستباحوا العِرض بثمن بخيس للأسف الشديد..

حسرة الفقد والحِداد والاكتئاب جلّ ما يتلبّسه الشعب العربي من (الشُرفاء) في هذه الأيام الحرجة والمُحبطة جدًا؛ فخلقت لديهم حالة من الاختلال النفسي لهول المشهد وفجاعته بعد صفعهم بالصفعة الترامبية الأمريكية على مذبح مُقدّساتهم بوقاحة شديدة. وهل هناك حسرة حداد أشدّ وأنكى من رؤية القُدس عاصمة لاسرائيل؟؟؟ أم هل يوجد خطورة تستدعي (الحِداد العربي) أصعب ممّا نحن فيه الآن من سلب أوطاننا وتدنيس مُقدّساتنا وضرب كرامتنا بالضربة القاضية وللأبد ؟؟؟

ردّات فعلنا الأولى باتجاه أي أزمة – وما أكثر الأزمات – تكون عنيفة (فيسبوكيًا) إلى حدّ الثورة والتراشق مع الأعداء (المُفتعلين) على الفيسبوك أيضًا، كانت في السابق قد تستمر بِضعة أيام مُتتّالية، ولكن لِكثرة الأزمات المحلية والعربية والعالمية كذلك بدأت ردّات فعلنا تأخذ شكل (التبلّد الوجداني) وهو أخطر من الخدر والحذر العاطفي الذي عانينا مِنه منذ الربيع العربي على الرغم أنه مُتوقَع أيضًا، وهذه حالة مرهقة جدًا، فأمسينا ننتظر (النيزك) المُرتقب للخلاص من ضنك الحياة وقباحتها، أو معجزة ما تُنقذنا ممّا أصابنا من الهوان وتُشفينا من داء الذلّ اللعين..

اليوم من المحزن جدًا القول أنه على الرغم من المِحَن المُتلاحقة التي مرّت على الأُمة العربية وما تزال، إلاّ أنها لم تدفع عُقلائها ولا حتى حُكمائها إلى مُراجعة الأخطاء التي أوصلتنا إلى هذا الحدّ من الوهن والذلّ العربي والمُستنقع الدموي والسياسي القميء؛ فغدت العروبة وصمة مُعيبة بشكل موجع بعد أن كانت وسامًا مِدعاة للفخر والاعتزاز؛ فخرجنا من التاريخ بمآسي ومهازل تاريخية وبلا عودة..

الرهان الآن لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه هو على شعب فلسطين العظيم وشعب غزّة العِزّة على وجه الخصوص (فقط)، رغم الثمن الباهظ الذي تدفعه يوميًا من دماء شُهدائها البواسل الأبرار، نحن معكم أيها الشعب الجبّار وأيها الأبطال الأشاوس، أنتم تقاومون بحِجارتكم (وطياراتكم الورقية) ونحن نقاوم بكلماتنا وأقلامنا وذلك أضعف الإيمان وما باليد حيلة..

بعد كل المهازل العربية وغياب المصداقية الدولية نقول جميعًا بكُلّ حزم أن (اللاّ) المُطلقة الجازمة هي الجواب الآن؛ لا للمفاوضات، لا لتصفية القضية الفلسطينية، لا للوطن البديل، لا لوطن غير فلسطين من البحر إلى النهر..

نعم ونعم مُطلقة، فقط، (للمقاومة) حتى بعد ألف عام ضد الاحتلال والعدو الصهيوني الغاصب الغاشم الحاقد…

الأحرى بالحكومات العربية الآن أن تتعامل مع الدفاعات النفسية الشعبية بدرجة عالية جدًا من (النُضج) والتمحيص بمستوى الرفض والغضب الشعبي (الفيسبوكي) لِما حدث للقُدس وما يحدث في غزّة، كيف لا وهي من المفروض أن تُمثّل الوطن بمواطنيه ومؤسساته ومُقدّساته ومصالحه ولا تُغامر لا بمُستقبله ولا حتى بتاريخه !!!

الشعب يُريد توليفة – لا أدري ما هي – تعمل على دمج الغضب مع (الحِكمة) دون انتحار أو استسلام أو جَلد كرامة الوطن ومواطنيه..

في خاصرة العرب (المطعونة) فلسطين دائمًا وأبدًا يكون لنا قولًا وبقية… دمتم….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !