نُريدك مُنيفًا ومُؤنسًا عزّاز يا رزّاز

نُريدك مُنيفًا ومُؤنسًا عزّاز
1٬249 مشاهدة

أبدأ مقالي هذا بكلمات أبيك الجميلة المُناضل الأصيل المليء بالعِزّة “مُنيف الرزّاز” مُقتبسة من كتابه (الحُريّة ومُشكلتها في البلاد المُتخلّفة) الصادر عام ١٩٦٥؛ فرغم مرور عقود عِدة على صدوره ما تزال أفكاره ذات قُدرة على تفسير واقع اليوم رغم رداءة الحال وقباحة ما آل إليه المآل، حيث قال:
“إن أسوأ ما يُمكن أن يصيب الشعب هو فقدانه للموازين الخُلُقيّة، فالاقتصاد قد ينمو، ومستوى الحياة قد يتحسّن، والقوة العسكرية قد تتضاعف وتتعاظم، والمدارس قد تتّسع، والحالة الصحية قد ترتفع، والسياسة الخارجية قد تنجح، ولكن شيئًا واحدًا لا بدّ أن يتدهور باستمرار هو المستوى الخُلُقي”…

أما أخوك مؤنس فقد قال: “أنصح المُثقّفين عدم الاقتراب من السُلطة، وأخذ الحيطة والحذر من السلطويين، أعرف أنني سأموت يومًا، ولكنّني أعرف أن الرجل الذي أمر بإعدامي سيموت هو الآخر ولو بعد حين”…

وهنا أؤكد على كلماتهما توكيدًا لا تطاولًا وأقول لك نيابة عن أغلب المواطنين الشُرفاء أننا اليوم نحتاجك بطلًا جريئًا كأبيك وأخيك يا رزّاز، لأن سِمات الرجل البطل في سواد العقل العربي الموبوء بالنمطيّات المغلوطة، قادت الأغلبية منّا إلى التغاضي عن الكثير من السِمات المُزعجة لنُوطّن في عقولنا موقع البطل الجديد، ضمن رغبتنا المُلحّة وشغفنا لوجود بطل – أيّ بطل – يُعوّل عليه الأمل يومًا ما، وليمنحنا الطاقة للاستمرار في هذا الوضع المحلّي المُزري وفي هذا الزمن؛ زمن الذبول والانكفاء العربي.

أنت تعلم ونحن نعلم أن مواصفات البطولة تلك لم يأتِ مِثلها في عصر العرب الحديث يا رزّاز، ولم يخطُ حتى على أبوابها أحد كالسابق؛ فالمُتطلّب الشكلي لنموذج البطل جعل بعض النماذج (الممسوخة) تتبوأ موقع البطولة في الدماغ الغوغائي العربي، إمّا لندرة أو ربما لغياب الأبطال الحقيقيين المحفورين في أدمغتنا، سيادة نمطيّة البطل هي عميقة الاعوجاج في العقل العربي الموروث، وهذا الأمر أسقطنا كُلّنا ضحية (الحِداد) على صورتنا الدماغية للبطل الذي تهاوت صورته كورق الخريف، وعلى الرغم من قناعتنا بثِقل هذا الحِمل الذي يتطلّب منك أن تكون انتحاريًا كما وعدت لن نفقد الأمل في جدوى التغيير.

اعتقد أننا جميعًا بحاجة مُلحّة الآن لمراجعة خرائطنا الجينية، وذلك للتأكد من انقراض (جين) البطولة وسِماتها الفخمة – لا سمح الله -؛ إما لتقبّل أمر هذا الواقع المُخزي والحقيقة الطبيعية المؤلمة (أو) لإثبات العكس بأقلّ تقدير، وإن ثبت العكس – إن شاء الله – قد نتمكن بمساعدتك يا رزّاز من إفراز الحدّ الأدنى من الأبطال نساءً ورجالًا على حدّ سواء.

في ظل هذا المشهد الضبابي وتسارع الأحداث المُرعب، نقول لك أننا بحاجة إلى إعادة بناء (الذات الوطنية) وإعادة تعريفها كذلك؛ فلتبدأ أنت ثم نبدأ بأنفسنا من بعدك بدوائرنا الضيّقة، ليتعمّم ذلك على جميع الوطن، فما هو الوطن إلاّ بمواطنيه يا رزّاز !!!

وإن نجحنا لعلّ هذا يُثبت للقاصي والداني أن الهوية الذاتية هي (إنسانية) بالدرجة الأولى ثم وطنية وتاجها الأخلاق كما قال والدك مُنيف.

هناك إجماع شعبي بيننا جميعًا بوصف وضعنا الحالي بأنه حالة من (الأزمة الأخلاقية)، وعلى الرغم أن تعريف الأزمة بأنها مُحدّدة الزمان، إلاّ أننا حقيقةً ما نُواجهه حاليًا ناجم عن بُنية (فساد) خطيرة، ممّا سبّب انعدام السلوك الأخلاقي في التعامل مع المواطن والوطن. الأمر الذي يزيدنا يقينًا كُلّ يوم بأن (المشروع الأخلاقي) فقط هو الحل، ولا بديل عنه، لعلّنا بذلك نُساهم في بقاء منظومة الأخلاق بجذور مُمتدّة في أعماق المُجتمع ومخياله، عندئذ فقط يبقى الفساد دون رأس ويسقط على محراب الأخلاق مدويًّا وبالضربة القاضية؛ فهل ستبقى انتحاريًا وستجتثّ رؤوس الفساد وستُحافظ على وعدك لنا يا رزاز ؟؟

نحن الآن نتشبّث بمنطاد هواء عملاق على أمل البقاء عاليًا في علوّ سحابة الأمن والأمان وفخامة الوطن، نرجوك يا رزاز لا تجعلنا نصل إلى ارتفاع (غير مأمون) ثم نكتشف أن هذا المنطاد موهوم وما هو إلاّ (فقاعة) ستهوي بِنا إلى القاع تاركة فينا رضوضًا وإعاقات مُختلفة؛ ففينا مِنها من العواطف والسلوكات والانطباعات المسكونة بالحسرة والخذلان وتهاوي الأمل ما يكفينا يا رزاز.

لم يحدث أن مرّت مرحلة في التاريخ الإنساني والأردني على وجه الخصوص تُنافس مستوى (الإرهاق النفسي) للمواطن الأردني مثل الحقبة الحالية؛ حقبة الضغوط النفسية، ومستوى (الخيبات) كذلك لِما يحدث الآن في الساحة المحلّية والعربية، أعِنّنا على تجاوزها والخروج مِنها بسلام أعانك الله يا رزاز..

عبثية اللحظة الراهنة وتيه البوصلة الوطنية وانحرافها نحو الذلّ والإذعان والفساد المُستشري بعيدًا عن مسارها الصحيح نحو (الكرامة)، سواء عن جهل أو حتى بسابق إصرار وترصّد فلا فرق، هو السبب الرئيسي لإخفاق (رجال ونساء) المرحلة الحالية في امتحانات البطولة والكرامة الوطنية تمامًا كالإخفاق الشخصي في امتحان الثانوية، وأنت الأكثر خِبرة في صعوبة الثانوية يا رزاز..

البلد اليوم تمرّ بمِحن وصعاب – وما أكثرها – سياسية كانت أم اقتصادية واجتماعية، وهي بحاجة إلى أبطال استثنائيين لإحياء الروح المعنوية الهزيلة البائسة لدى مواطنيها، وإذكاء الأمل لديهم بانتزاع حقوقهم المُتآكلة من تلك القِوى المُتخاذلة، لا قتلها وتهشيمها بضربات قاتلة ومُميتة. نحتاج الآن أكثر من أي وقت مضى لأبطال تكون لديهم رؤية واضحة وروح بإرادة عالية لِنقل تلك الروح عن طريق (العدوى) للجميع بلا استثناء، وذلك لصناعة تاريخ مُشرّف من الخَلَفْ اقتداءً بالسَلَفْ؛ فكُن مُنيفًا ومؤنسًا عزّاز يا رزاز..

من المعلوم أن السلوك المُشين الصادر عن أي جهة كانت سواء بشكل مقصود أم غير مقصود (جريمة)، إلاّ أن ردّة الفعل غير الحكيمة الآن هي أكثر جُرمًا، فلا الوطن ولا المواطنين حاليًا قادرين على تحمّل نتائج عواقبها وخيمة ستمس الجميع بلا استثناء. فلا تكن يا رزاز كما كانت الحكومات السابقة المولعة باللعب في النار على قناعة خاطئة منهم جميعًا بأن قفازاتهم الصلبة ستُنجيهم من الحريق والاشتعال، إلى أن حرقتهم جميعًا ونبذتهم شعوبهم ووثق التاريخ قوائمهم السوداء بتاريخهم الأسود..

هذه الكلمات نابعة من قلوب مألومة ونفوس مكلومة حزينة على ما آل إليه حال الوطن، فهي ليست شعارات معلوكة للتصدير الإعلامي، فلا بدّ من سماعنا يا رزاز واستثمار تعويلنا عليك وتوظيف رغبتنا بإعطائك الفرصة لِما فيه مصلحة الوطن وأمن مواطنيه..

وأخيرًا كُلّ الدعم والتوفيق من الشعب المأزوم، وأعانك الله على حِملك الثقيل، وشُرفاء الوطن معك وبجانبك، وبعد ذلك سيكون لنا من هذا الحديث بقية… دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !