عودة المكبوت

عودة المكبوت
1٬286 مشاهدة

هي حالة نفسية متخومة بالغضب ومسكونة باليأس والإحباط والحسرة، تظهر عند الأفراد الذين طفح الكيل بهم، إما نتيجة لمُعاصرتهم ظروف قاسية مُتتالية، أو نتيجة لتعرّضهم لحدث (صادم) فجّر لديهم ما لم يكونوا يتوقعوه، حيث لا شيء يضيع من الذاكرة..

(عودة المكبوت) هي حالة يخشى وصولها الفرد “المأزوم” ذاته ويستغرب عُمقها وأبعادها كذلك، لأنه يعلم تمامًا أن “اللحظة الانفجارية” قادمة لا محالة وعواقبها لا يُمكن التنبؤ بها؛ فنجده فرحًا مرة وقلقًا حزينًا ساكنًا مرات. أمّا ردّات فعله فتختلف عليه نتيجة لحدث (مفصلي) في حياته الخاصة أو العامة، فيصبح (مفصله النفسي) هو ما قبل الحدث وما بعده، ممّا يُفجّر لديه قمقم مختوم فَقَدَ السيطرة على استخدام الكفوف عليه، تلك الكفوف كان قد جرّبها مرارًا وتكرارًا من قبل وتجاوبت معه، ولكنّها الآن لم تعد وسيلة ناجعة لإخماد ناره ولهيبها.

هذه الحالة (الاضطرابية) تُقسّم الزمن لدى الفرد المكلوم إلى شِقّين: قبل وبعد، زمن انتهى وزمن ابتدى، منذ الحدث المفصلي الذي حرّك طاقاته؛ فاحذروا من “عودة المكبوت”..

وبما أن الزمن مُتّصل لا ينقطع واتجاهه واحد إلى الأمام فقط، ولا يُمكن أن يقف ويعود إلى الوراء، تُصيبنا تلك الأحداث المفصلية التي كنّا نُعلّق عليها الآمال الكثيرة (بويلات) الحسرة والخذلان والتقاعس والشعور بالضعف والعجز والهزيمة، ثم نصل لمرحلة (اللافعل)، أما الأصعب على الإطلاق هنا عندما نتمنّى العودة للماضي مهما صعُب ولا نستطيع، وهنا تقع الكارثة !!

وهذا ما حدث تمامًا معنا كُلّنا على مستوى وطني حاليًا بالحدث المفصلي الهامّ في تاريخ الأردن الحديث، وهو أحداث الدوار الرابع وما أسميناه بِ (هبّة رمضان)؛ فأصبح المفصل التاريخي الأردني (الأحدث) ما قبل الهبّة وما بعدها، الفرق الهامّ جدًا هنا؛ أن بعد تلك الهبّة العظيمة لن نصل مرة أُخرى إلى مرحلة (اللافعل) كما كنّا سابقًا، ولن نتمنّى العودة للماضي بناءً على ما جاء به التوصيف النفسي لحالة (عودة المكبوت)، فقد جرّبنا (الفعل) وحصدنا ثماره وذقنا نشوة “النصر” من المطالبة بالحقوق المسلوبة وإن كان بسيطًا أو مؤقتًا..

ذلك الحدث المفصلي الذي قام به الشعب الأردني العظيم بأرقى أشكاله وتجلّياته وأسمى أدواته، أدّى إلى الإطاحة بحكومة الجباية السابقة وأتى بحكومة “الرزّاز” الحالية مُلقيًا عليها الكثير من الآمال والتوقّعات، ورغم إدراك الجميع دون استثناء ثقل الإرث الذي استلمته من سابقاتها، إلاّ أن رأي الشارع الأردني انقسم هنا إلى اتجاهين؛ أحدهما متأملًا خيرًا كثيرًا بالحكومة الأخيرة بتغيير النهج – ربما من فرط الإحباط في دواخل المواطنين جميعًا – انطلاقًا من رغبتهم بأن تكون المُنقذ لهم وللوطن، أما الاتجاه الثاني فيرى أن النهج هو ذاته لم ولن يتغير بحُكم وجود ذات الوجوه فيها، والسبب الأهم لوجود تلك الآراء المُتباينة في توقّعاتها هو بُنية الفساد السرطانية التي تُذهلنا كُلّ يوم، والتي نخرت مؤسسات المجتمع الرسمية حدّ التسوّس الأخلاقي وحدّ الإفلاس المالي، هذا الوضع المُرعب أربك المواطنين بجدوى نجاح تلك الحكومة في مواجهة حيتان الفساد.

وفي كل الأحوال فالحكومة حتمًا مُدركة جدًا الآن، أن التعويل على صبر المواطن الأردني مرة أُخرى هو رهان خاسر، والدليل على ذلك أن المواطن الشريف المرعوب على أمن وطنه قد صبر كثيرًا إلى أن استنفذت الحكومات السابقة أدوات صبره جميعها، ثم وصل إلى الرابع، ومن المعلوم في السلوك الإنساني أن المرة الأولى دائمًا هي الأصعب، أما المرة الثانية وما بعدها غالبًا تكون أسهل بكثير..

الوضع الذي قاد المواطن الأردني (الحُرّ) إلى الرابع ليقول (لا) بطريقة حضارية، لن يتوانَ من العودة هناك مرة أُخرى إن عادت له حالة انفجار المكبوت والمسكوت عنه؛ فالمكبوت الآن قد كُبت مرة أُخرى “مؤقتًا” من أجل عيون الوطن، وأخشى ما أخشاه عودته سريعًا خصوصًا وأن المؤشرات الحالية قد أحبطت الشعب مرة أُخرى، والله يستر..

أما على المستوى الشخصي فدون أدنى شكّ كُلّ منّا لديه ذلك الحدث المفصلي الذي قسّم حياته إلى ما قبله وما بعده وقلبها رأسًا على عقب، هناك مَن قادهم نحو الأحسن وآخرون أخذهم نحو الدرك الأسفل من النار، وشتّان..

اعتقد أننا جميعًا الآن نقول، هيهات، وغيرها الكثير من الآهات والحسرات الجسام..

ومن هذا المنبر أُخاطب المواطنين والحكومة في ذات الوقت بأن راجعوا ذاكرتكم جيدًا وحدّدوا معالِم أحداثكم “المفصلية” النفسية الذاتية والوطنية على حدّ سواء، لأخذ الدروس والعِبر،  وحتى لا يُعيد التاريخ نفسه وتندموا؛ فلن يُجدي الندم بعد ذلك نفعًا إن وصلنا إلى ما لا يُحمد عقباه – لا سمح الله -..

عودة المكبوت يا سادة حالة نفسية خطيرة؛ فلا تستفزوها مرة أُخرى، ولا تراهنوا على كرامة المواطن والوطن؛ فلم يتبقَّ لنا غيرها – أي الكرامة – ولن نخسرها بعد خسائرنا الكثيرة جدًا وجدًا؛ فالكرامة دومًا لنا هي العنوان..

وأخيرًا وليس آخرًا؛ مؤشرات الوضع الحالي النفسي والاجتماعي على مستوى الذات والوطن، تشي بأنه سيكون لنا من هذا الحديث بقية أُخرى… دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !