“بزنس” لا دين له

بزنس لا دين له
1٬244 مشاهدة

يبدو أنه مكتوب على العرب ظاهرة “البزنسة” تحت مُسمّيات مُختلفة تظهر فورًا بعد حالة الدمار المُفتعلة، فمثلًا كان هناك بزنس تحت مُسمّى (إعادة الأعمار) وما زال بالطبع لأنه مُرتبط ببعض الدول الصامدة، وعرّابي البزنس دومًا بانتظار، وكان قبله بزنس آخر باسم “حقوق الإنسان”، “حقوق المرأة”، “حقوق الطفل”، أما البزنس الأحدث في الوقت الراهن فهو ((بزنسة الإرهاب))، والحبل على الجرّار من بلاد العم سام..

جميع البزنس السابق لم يُحقق الهدف الذي جاء من أجله ولم تستفد مِنه الفئة المُستهدفة، أمّا من غَرَفَ من خيره فهُم (عرّابي الفساد) والبزنسة فقط، والدليل على ذلك أنّنا ما زلنا نراوح مكاننا في مجال جميع الحقوق المذكورة سابقًا، ولم نتحرك قيّد أنملة نحو التنمية والتطوّر رغم جميع الجهود المبذولة، وإنّما عُدنا للوراء أكثر من السابق بكثير؛ فما زالت المرأة تُقتل بداعي الشرف، وما زالت تُحرم من الميراث، وما زال الطفل محروم من أبسط حقوقه، وما زال الإنسان يُهان وتُمتهن كرامته ويقبع في السجون ويموت تحت التعذيب، وما زالت حرية الرأي والتعبير مقموعة !!

فماذا فعلت إذن المُنظّمات غير الحكومية وماذا قدّمت المؤتمرات والندوات والسفرات والمياومات للمظلومين والمظلومات؟؟!!

أُجيبكم بناءً على قراءتنا للواقع، لم تُقدم شيئًا يُذكر ممّا يحمي كرامة الإنسان سوى الكلاشيهات المعلوكة (المنسوخة) المُكرّرة بشكل مُملّ والمحفوظة عن ظهر قلب للتصدير الإعلامي فقط لا غير، وتكديس لشعارات وأوراق لا نستطيع إلاّ أن نبلّها ونشرب ميّتها، لأنها ملوّثة بالحسابات البنكية المتخومة بالعُملة الصعبة لعرّابي هذا البزنس المكشوف..

أما بزنس العصر ((بزنسة الإرهاب)) و((بزنسة التطرّف)) فهو حكاية بحالها؛ ماذا نتوقع يا سادة عندما يدعم البعض – منّا وفينا – هذه الأحداث الإرهابية في أماكن مُعينة وبلدان مُختارة ونصفّق لها بالأيدي والأرجل وندعو الله مُتضرّعين بنصرتهم، ثم ننبذ ونشجب ونبدأ بالدعاء على تلك الجماعات ذاتها إن مسّ أذاها “النحن” الأنانية ؟؟!! واهم مَن يعتقد أننا بمعزل عمّا يحدث في دول الجوار أو أننا معصومون من الإصابة بذات الأذى الذي دعمنا إصابتهم به..

هل ذلك الفعل القبيح في بلد ما ممدوح ولدينا مذموم؟؟!! هل المدنيين هناك لا بشر ونحن البني آدميين فقط؟؟!!

نبذ العنف والإرهاب والتطرّف وعدم التصفيق له بأي حال من الأحوال هو الأصل لا الاستثناء، بخِلاف ذلك حتمًا سينقلب السحر على الساحر، وهذا ما حصل فعلًا للأسف الشديد..

ماذا فعل (عرّابو بزنس الإرهاب) منذ بدايته إلى الآن في مُنظّماتهم التي فتحت أبوابها لعلاج هذا المرض السرطاني بامتياز؟؟!! ماذا قدّم هؤلاء لمُجتمعنا سوى التنظير والتصوير؟؟!! هل خفّفت نشاطاتهم وسفراتهم وندواتهم من الظاهرة على سبيل المثال؟؟! وهل حمت فلذات أكبادنا وحُماة ديارنا من القتل والموت ؟؟!! وهل طمأنت قلوب الأمهات الثكلى أو خفّفت أوجاعهن؟؟!!

ما حصل للأسف هو موضة وفزعة لا أكثر، تمّت بزنستها كالعادة، ولم نَنَلْ منها سوى غباء شبيه بسذاجة من يفرش الفرشة وينام بجانبها أو كمن يُغمّس حولين صحن الحمص اعتقادًا أنه يستطعمه !!

كُلّ ما تمّ إنجازه إلى الآن لا يخرج عن إطار الوهم بمحاربة الإرهاب في المظهر، أما الجوهر فما زال مسكونًا بالبزنسة القميئة على حساب الأرواح البريئة، وهذا سلوك مُتطرّف بحدّ ذاته..

خطايا شُهدائنا الأبرار مُعلّقة برقاب أولئك الفاسدين؛ عرّابي البزنسة والفساد، كم أنت مسكين أيها الشعب الحزين فما بين مطرقة الفساد وسندان الإرهاب ضاعت الحقوق وزُهقت الأرواح، ولا نملك الخيار؛ فإمّا الصمت أو الموت، ويا مُغيث..

التطوّر الخطير الحاصل لدينا الآن في الأردن هو استهداف أجهزتنا الأمنية لا استهداف المدنيين فقط، والمتتبع لجميع العمليّات الإرهابية التي حصلت هنا على مدار الفترة السابقة وسط الإقليم المُلتهب نُلاحظ التركيز في استهداف العمود الفقري للوطن وجلده الذي يحميه، وهذا أمر مُرعب جدًا يستلزم من المسؤولين الوقوف عنده وتحليله بعمق والتصدّي له بحزم..

الإرهاب والتطرّف والفساد وبزنسة جميع ما سبق هو الصيد بالماء العكر بعينه ولا دين له على الإطلاق، ومن المُعيب جدًا الآن إلصاقه بأي دين؛ الدين بريء منهم كُلّ البراءة، وما حدث ويحدث لا يخرج إلاّ من جماعات (مُتصهينة) مغسولة الدماغ فارغة العقل والجيب ومعدومة الضمير، ولا ذنب للدين إلتصاقها به والتستّر بعباءته، ويا للعار..

المطلوب منّا جميعًا الآن هو التعاضد والتكاتف قيادة وحكومة وشعب يدًا بيد أمام مَن يستهدف الوطن، لا خيار آخر البتّة؛ فصراعنا الآن مع أعداء الوطن هو صراع وجود كما هو صراع حدود، وواهم جدًا مَن يعتقد أنه خرج سالمًا من شظايا بركان (صفقة القرن) التي تم تنفيذها فعليًا منذ إعلان القُدس عاصمة اسرائيل وتهويدها ورفع الدعم عن اللاجئين؛ فلا تنتظروها، لأنها نُفّذت بالفعل كما يُريدون هُم، وألهونا بِما نريد نحن، كما جرت العادة..

حمى الله الوطن وقيادته وشعبه ونأمل الصمود جميعًا معًا في ذات البوتقة؛ بوتقة الوحدة، ولنصمد أمام طوفان الفساد وعرّابي البزنس والمصالح الفردية؛ فلا تسمحوا لأحد بزعزعة وحدتنا أو التشكيك في التفافنا حول قيادتنا الحكيمة، أو (بزنسة) ما يحدث واستغلاله بقطع أوتار “معزوفة” الأمن والأمان؛ فالأخيرة وحدها أيقونة صبرنا وما نعوّل عليها إلى الآن رغم ضنك العيش وشحّه..
ارحمونا وارحموا الوطن..
سنعود بالأمل دومًا ليبقى لنا من هذه القصة حديث وبقية… دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !