لماذا تشتبك الزُهرة مع المرّيخ ؟؟

لماذا تشتبك الزُهرة مع المرّيخ ؟؟
2٬806 مشاهدة

الاختلاف بين الزُهرة (المرأة) والمرّيخ (الرجل) لا يعني الخِلاف، وليس بالضرورة أن يؤدي إلى اشتباكات دائمة بينهما. وللتوجّه نحو علاقة صحية أبدية من الأجدى بِهما توظيف الاختلاف بينهما على قاعدة “التكامل والتكميل” وليس على قاعدة “القيادة والتبعيّة”. فليس من المقبول أن تكون العلاقة بينهما فيها “قائد وتابع” أو قوي وضعيف، وإنّما من المفروض أن تكون علاقة (شراكة) كاملة مُتكافئة مليئة بالعدالة والعطاء والمُشاركة والرحمة، بخِلاف ذلك يغدو كُلّ مِنهما أقطاب مُتضادّة وكأنّهما (أعداء) وتتحوّل العلاقة بينهما إلى حلبة مصارعة..

من المعلوم أنه يوجد فروق بيولوجية بين الجنسين ينجم عنها وجود احتياجات مُختلفة واهتمامات مُتباينة وردود فعل غير مُتشابهة، ويوجد أيضًا فروق اجتماعية ثقافية في طريقة تنشئتهما من البديهي جدًا أن تقود إلى طُرق تفكير مُختلفة ورؤى مُغايرة.

فالرجل يُفسّر سلوك ما بطريقته في حين أن المرأة تُفسّر ذات السلوك بطريقة مُختلفة تمامًا، وهذا لا يعني أن أحدهما على صواب والآخر مُخطىء !! 
كيف لا يختلف تفسيرهما وكُلّ مِنهما ينتمي لطبيعة مُختلفة؟؟

وفي حال استمرار الاشتباكات وتركها دون “حلّ جذري” والاعتماد على نظام (الطبطبة) في حلّ المشاكل حتمًا ستزيد الفجوة بينهما، وتكبر دائرة النزاع، وتنتقل حالة “التجاذب” بينهما إلى حالة “التنافر”، ثم الجفاء وأحيانًا تتحوّل للعداء، وتهرم العلاقة وتشيخ كذلك إلى أن ينتهي أجلها (بمأساة)..

فعلى سبيل المِثال لا الحصر لنأخذ مفهوم (الاهتمام) والسلوكات المُرتبطة به، فيختلف مفهوم الاهتمام عند الرجل عنه عند المرأة؛ فالمرأة طبيعتها سمعية، في حين أن الرجل طبيعته بصرية.

ونتيجة لذلك الفرق البيولوجي بينهما تُعرّف المرأة الاهتمام (بسماعها) للكلام الجميل والغزل والمديح والسؤال عنها باستمرار ومُتابعة تفاصيلها اليوميّة الدقيقة وبما ترغب وما لا ترغب من قِبل الرجل، بينما يُعرّف الرجل الاهتمام بِما تقوم به المرأة من سلوكات (مرئية) ومواقف فِعلية على أرض الواقع لإسعاده من ضمنها مثلًا: العناية بمظهرها والعناية بصحته وبغذائه وبثيابه وببيته وبأهله وبمَن يُحبّ..

وعلى الرغم أن تفسير كُلّ مِنهما في المِثال السابق صحيح ويندرج تحت مظلة (الحُبّ) ذاتها؛ لأن الحُبّ بالمُحصّلة هو (مواقف) وهو اهتمام واحترام كذلك، إلاّ أن هذا الاختلاف في تعريف الاهتمام بين الزُهرة والمرّيخ يقودنا إلى حقيقة مفادها أن السلوكات المُرتبطة (بالتعبير) عنه للآخر ستكون حتمًا مُختلفة، ويجب علينا تقبّلها تمامًا كما نتقبّل الاختلاف بين الجنسين ، ولكن للأسف قد يُساء فِهمها أحيانًا أو ربما تُثير عدم “الرضى” في العلاقة في أحيان كثيرة.

فإذا لم يتذكّر الرجل عيد ميلادها مثلًا، أو إذا لم يتغزّل بجمالها ولباسها وطعامها، أو إذا لم يُقدّم لها الورود، أو إذا لم يسمع صمتها دون أن تعلن عن سبب انزعاجها، أو إذا لم يُشاركها أحداث يومه وتفاصيل حياته ويتبادل أطراف الحديث معها باستمرار، وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة جدًا؛ فإن سلوك المرّيخ ذلك يعني للمرأة (عدم اهتمام) ويُعادل (الإهمال) بتفسيرها الخاص. وبالتّالي سيستفزّها إهماله وسيُثير انزعاجها مِنه أيضًا، وبالمُقابل يقودها تقصيره – من وجهة نظرها – إلى إهمالها له وعدم الاكتراث به وبمطالبه، ثم يتفاقم مُسلسل (النقّ) والنكد المُستمر، وتتكرّر المشاكل بينهما على الأسباب ذاتها، فيقع الطلاق هنا إما عاطفيًا أو جسديًا أو مكانيًا أو ذهنيًا أو إنهاء العلاقة نهائيًا..

بناءً على ما سبق ولِحل الاشتباكات بين الجنسين ، يجب أن يتم الاتفاق بينهما منذ بداية العلاقة على “تعريف” خاص بِهما مُشترك للسلوك المرغوب، على أن يكون مُرضي للطرفين بشكل عادل في ذات الوقت، والأهم (الصبر) لحين الاعتياد، وعليهما معًا البوح بصراحة تامّة بِما يسعدهما وما يُعكّر صفوَ علاقتهما أيضًا، ومن الواجب عليهما احترامه والالتزام به تمامًا في كُلّ الأوقات وفي كُلّ المواقف تجنّبًا للاشتباكات؛ السطحية مِنها أو الجوهرية على حدّ سواء، فلا فرق هنا (بالخطورة) في حال استمرارها أو تكرارها؛ بمعنى آخر لا تعوّلوا على مقولة (مشاكلنا سخيفة) لا أبدًا؛ لأن “التكرار” سيُحوّلها إلى مشاكل “جوهرية” بامتياز مع الوقت.

إن إيجاد توضيح وتعريف مُحدّد لِكُلّ الأشياء بين الجنسين سيُخفّف الاحتقان والجفاء، كما يُساهم في تحسين نوعية العلاقة ونمائها بشكل صحّي، ويزيد قوة الترابط بينهما أيضًا، فتُمسي علاقة قويّة جدًا لا تضعفها الاختلافات ولا تهزّها الاشتباكات لا بزلزال أو حتى بريحٍ عاتية.

والأهم هنا أنه يزيد من درجة التقارب الفِكري والعاطفي والجسدي بينهما، كما يزيد من قُدرتهما على استثمار الخِلافات والاشتباكات لبلورة (الحُبّ) المبني على الخِبرات المُتبادلة المُكتسبة من مواقف الخِلاف؛ بمعنى آخر توظيف الاختلافات بين الزُهرة والمرّيخ ليُكمّل كُلّ مِنهما الآخر ويتكامل معه لا أن (يتفاضل) عليه….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !