الشخصنة سلوكٍ قزم

الشخصنة سلوكٍ قزم
1٬380 مشاهدة

عندما تُطلق الأحكام على الآخرين من وجهة نظرك الشخصية، وعندما تحكم على أفكارهم وسلوكاتهم من زاويتك الخاصّة، سلوكك ذلك يشي بأنك مُصاب بداء “الشخصنة”، وما أكثر المشخّصين والمشخصنين هذه الأيام !!

الشخصنة هي إضافة البهارات الشخصية والألوان الكثيرة للصبغة الشخصية على الآخر، بمعنى آخر إطلاق الحُكم (الفردي) أُحادي البُعد، وغالبًا ما يكون ظالمًا. عندما تُسيطر على العقل فهي تُبعده عن المنطق والموضوعية والإنصاف، وتُعطّله عن الاستيعاب والتفكير بعدالة، فتحوّله إلى فِكر “ناقص ومشوّه” لأنه لا يحترم الآخر، ويتّهمه زورًا بما ليس فيه، ويُهاجمه دون وجه حقّ، وينتقد كُلّ أفكاره وأفعاله لا لشيء سوى أحقاد شخصية.

يعتقد المُشخصِن “واهمًا” بأن أفكاره وأقواله “غير خاطئة”، وفي كثير من الحالات يعتمد على (الحدس) في الحُكم على الآخر، على اعتبار أن حاسّته دومًا صحيحة، لأنها صدقت مرة حتى وإن هي ذاتها قد أخفقت مرات.

ولكن الأسباب الحقيقية وراء الشخصنة لا تتعدّى غياب الدليل الملموس، ونُقص المعلومة، وغياب الحجّة العقلية القاطعة، وضعف القدرة على الحوار، أما الأخطر على الإطلاق عندما تُرخى الآذان وتُصغي لألسنة (الصغار) – قدرًا لا عُمرًا -، وتصبح أقاويل هؤلاء المشهورين بعقولهم العفنة وقلوبهم النتنة وألسنتهم القذرة المشهورة بالادّعاءات الباطلة على مَن هُم أفضل مِنهم وأعلى مِنهم شأنًا وسمعةً وإنجازًا هي مصدر المعلومة (فقط). عندئذٍ يحدث الهروب “الجبان” نحو الشخصنة، وهي مؤذية جدًا للمُشَخصِن ذاته وتُصيبه أولًا قبل إصابة الآخر (بفشك) شخصنته الطائشة والتافهة جدًا.

الشخصنة هي مرض نفسي واجتماعي وأخلاقي بامتياز، تُصيب محدودي الفِكر والخِبرة، سوقها رائج جدًا عند المُصابين بالنرجسية من أصحاب فُقاعة “الأنا المُتضخّمة” على فاشوش، وبين ذوي التفكير السطحي فاقدي البصيرة، وهي وإن تفشّت في المُجتمع تقود إلى تعزيز “ثقافة التقزيم“، وثقافة الاتّهام والتشكيك، وإن وُجدت فهي تفرش الأرض وردًا لزرع الأحقاد والكراهية بين الناس، لأنها تُبعد المُشخصِن وأتباعه عن الحقيقة وعن النوايا البيضاء.

تقزيم الآخر بناءً على معايير شخصية – وغالبًا ما تكون باطلة – هو من أهم أسباب التنمّر والعُنف والتطرّف والتفكّك العائلي وغير ذلك من أمراض المُجتمع الفتّاكة، أضف إلى ذلك أنه يهدر الكرامة الإنسانية لجميع الأطراف، لأنه يطمس الحقيقة ويُعزّز الادّعاءات الباطلة من أهل الباطل، ولأن شخصنة السلوك تُغلق الأبواب أمام الحيادية وتقود إلى التطرّف الفِكري وتضخّم الرأي الذاتي.

تتجسّد الشخصنة من خلال التجريح بالألفاظ القبيحة، والاتهامات المُعلّبة الجاهزة حتى وإن كانت مُنتهية الصلاحية، الجحود بالمواقف المُحترمة ونكران العِشرة، تقزيم تاريخ مُشرّف طويل ونسفه بسلوك صغير حتى وإن كان غير مقصود، جمع المعلومات من أقزام الأخلاق طوال الباع والبال ذائعي الصيت في اللغو والنميمة والتبلّي على الآخرين.

مظاهر الشخصنة البغيضة تلك تقضي على الودّ والرحمة بين الناس، وتقطع الرّحم، وتُخرّب العلاقات بين الأهل والأصدقاء والأقارب، وتُمزّق نسيج الوطن، كما أنها تنسف جهود الطامحين للتطوّر وتُكسّر إبداع الموهوبين ممّا يؤثر سلبًا على تقدّم المُجتمع وتنميته، لأنها تقودهم نحو الإحباط والانزواء والعُزلة وربما الهجرة، وفي أسوأ الحالات تقود إلى بتر العلاقات وتخريبها ثم (القطيعة) الأبدية للأسف الشديد.

تفشّي الشخصنة في الوقت الراهن في الوطن الصغير والكبير على حدّ سواء أفقدنا الحجّة والمصداقية، وجرّنا إلى الانزلاق نحو وحل التجريح والجدل والتهكّم على الآخرين بعيدًا عن الحق والموضوعية؛ فأصبح الهجوم على الآخر لا لشيء سوى الكُره والحقد والغيرة والحسد، دون بذل أدنى جُهد لتقييم الآخر بالنظر إلى فِكره وتاريخه وسُمعته وإنجازاته بعيدًا عن الشخصنة، وهنا على وجه الخصوص يتجلّى الهدف الأساسي وهو اغتياله وتقزيمه لا أكثر.

ومن البديهي في عصر التواصل الاجتماعي وأذرعها العديدة أن تستشري الشخصنة بشكل أسرع، فلم تترك مجالًا للفصل بين الأشخاص والأفكار، وبين الأحداث وأصحابها، فربما تُروج فِكرة ما لأن صاحبها من (المؤثرين/ات) حتى وإن كانت خاطئة أو مدمّرة أو حتى تافهة، وقد تموت أفكار لأن أصحابها من المغضوب عليهم، هذا هو تزييف الوعي وتضليل الرأي العام بعينه، وهذا ما هو حاصل الآن أيضًا سواء على مستوى شخصي أو وطني.

الشخصنة هي تقزيم للذات قبل أن تكون تقزيم للآخر، والحُكم (المزوّر) على الآخرين لا يُعرّف عنهم بقدر ما يُعرّف عن نفسية المُشَخصِن، ولا يُعرّيهم حُكمه بقدر ما يُعرّي أخلاقه أمام الجميع..

دعوا الناس وشأنهم والتهوا بشؤونكم الخاصّة، وما أكثرها..
وعليه، يبقى لتلك القصة بقية… دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !