الخيل و أكباش الفداء !

الخيل و أكباش الفداء !
1٬344 مشاهدة

مَن يعتقد أن معركة الإنسان اتجاه الظُلم، والعدوان، والتبلّي، والتجنّي، واغتيال الشخصية، والصنع من ذلك (أكباش الفداء) هي معركة عضلات أو ألسنة أو مُسدّسات مفلوتة العِقال فهو مُخطىء جدًا، وبعيدًا تمامًا عن مُعطيّات الأرض والواقع، لا بل مُسرف كذلك في الوهم غير المُفيد وغير المُنتج؛ إنها معركة أخلاق يا سادة..

مَن يشعر بالسعادة عند تحميل المسؤولية اتجاه أي فِعل أو حتى (اللافعل) عند أي حدث هام لأشخاص مُحدّدين (أكباش الفداء)، أنها إشارات إيجابية نحو تحقيق المسؤولية الأخلاقية والعدالة الاجتماعية وإعادة “الهيبة” للدولة، فهو حتمًا مُخطىء وظالم في آنٍ معًا. نحن جميعًا الآن، عربيًا بشكل عام ومحليًا بشكل خاص، نخوض معركة تكتيكها الأهم والأخطر في ذات الوقت هو (الأخلاق) فقط لا غير، إن وأؤكد هنا وأشدّد كذلك على (إن) حَسُنَ استخدامها؛ لأنّها وسيلة ذكية جدًا، تحمل معنى المصلحة الاستراتيجية، ومُراعاة الظروف العربية والمقدرات المحلّية – رغم تواضعها – من ناحية، ومن ناحية أُخرى تحمل معنى الالتزام السلوكي، وهي من صُلب ميراث الحضارة العربية وجوهر تعاليم الدين أساسًا، فالتزموا يا تُجّار الدين..

لا يُمكن بأي حال من الأحوال أن يكون معنى “الانتصار للحقّ” مُكافئًا لمعنى الشماتة والحقد وتصفية الحسابات الشخصية والانتقام، خصوصًا إذا كان مَن يدفع الثمن (أكباش الفداء) لا المُجرم الحقيقي؛ فنشوة الفرح بإيذاء الآخر والتشفّي به ليست صنوان حماية الذات المشروعة ولا حتى حماية الوطن الخشوعة. الناس الشُرفاء من الجنسين الذين أجبرتهم ظروف الحياة وضنكها وبُنات الدهر فيها أن يدفعوا الثمن وباتوا (أكباش الفداء)، ليس من المعقول ولا حتى من المقبول أن يكونوا أيضًا “أهدافًا أخلاقية”؛ فاستنكارنا الخجول لذلك، وتخفّينا بقناع (اللاحيلة) أمام طوفان الفساد، والتجرّد من القوة الكافية للتصدّي له، ليس مبررًا على الإطلاق لإعلان حملة التشويه المدروسة بعناية، وشنّ حرب نفسية بذات الصفة وبذات المستوى من البشاعة والدونية ضد الأبرياء (وبعض) أكباش الفداء..

أخلاقنا يا كِرام هي ما تبقّى لنا من إرث عروبي مُميّز، وهي التي أفضت بروحٍ طيبة إلى الامتداد والتمدّد لامبراطوريتنا العربية السابقة، قديمًا جدًا؛ فكان فعل السلوك العربي المليء بالنخوة والشهامة وكثير الكرامة أقوى بكثير من حدّ السيوف القاطعة، لهذا، فإن أغلبنا إن لم نكن جميعًا أيضًا، نعيش اليوم حالة (النستالجيا) العربية، حسرة على حالنا الآن، ولغياب نموذج الأخلاق الذي كان سِمتنا الرئيسة في قديم الزمان، وهيهات..

ليس علينا انتظار الكوارث سواء الطبيعية مِنها أو البشرية لإيقاظ الضمائر الجمعية، أو استنهاض الأخلاق من سُباتها العميق نحو الفعل والتدخّل، عندما تُداهمنا حمّى خراب “البُنى التحتية” في كُلّ الوطن لا ببعضه، فذلك لن يزيدنا سوى فقدان “الشرعية الأخلاقية”، والإكثار من أكباش الفداء، والتكالب (اللاأخلاقي) من الحشرات الإلكترونية والثعالب البشرية على حدّ سواء، ونضيف إلى ذلك عدم التعاطف من الدول “المانحة” لإنقاذنا من وحل أنفسنا وتراجع حالنا وأحوالنا نحو الهاوية..

الاستمرار في سياسة “أكباش الفداء” سيجترّ لنا المزيد من الخيبات، ولن يستفزّ في العقل السياسي العربي سوى الاتجاه نحو خيارات مُتطرّفة وشخوص مُتطرّفين وقتلة، لا أكثر..

أختِم مقالي هذا بالتأكيد على أنه لا نتائج للإصلاح الفعلي دون مسيرة حقيقية من القاع نحو القِمّة أوّلها الأخلاق وآخرها الأخلاق، فقط لا غير… 

ولا أجمل هنا من استحضار كلمات المتنبّي الرائعة التي تُليق بِما ورد أعلاه:
“الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرِفُني… والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ”…

سيبقى القلم أسنُّ من السيف عندما تغيبُ الخيول الأصيلة وتُصيبُ الذيول الدخيلة،، وسيبقى لقلمنا دومًا حديثٌ آخر وبقيّة… 

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !