البركان الكامن

البركان الكامن
9٬742 مشاهدة

كما نصّ قانون الفيزياء أن “الضغط يولّد الانفجار”، ينصّ أيضًا قانون الحياة وقانون الوطن و قانون التعامل مع الناس؛ أن الضغط المُزمن على محراب “الكرامة والعيش بكرامة” يولّد بُركانًا من النقمة والسخط والعُنف لا يُحمَد عُقباه إن خرج من مرحلة الكمون، أحد الحِمم البُركانية التي سبقته وتقدّم له، هي تراشق التُهم الجاهزة المُعلّبة، وتعدّي الخطوط الحمراء وتجاوز السقوف كُلّها في جميع وسائل التواصل الاجتماعي خلف الشاشة وأمامها، والمؤشر الخطير لذلك هو (المُتاجرة في الدين) وطغيان “النفاق الاجتماعي” والرياء والكذب والفساد واغتيال الشخصيات ببساطة، وغيره من آثار الضغط الوخيمة التي تقود إلى التذبذب في المواقف الشخصية والوطنية، على الرغم أن تلك المواقف صنوان لا يفترقان.

العلاقة بين الوطن ومواطنيه القائمة على المصلحة الشخصية والتنفّع على حسابه وحساب الآخرين، وأحيانًا الاستغلال، هي علاقة هزيلة لا وطنية على الإطلاق، وما هي سوى أحبولة مثيلة لبيت العنكبوت بهشاشتها، وحدها المواقف الوطنية (والكُبرى) منها على وجه الخصوص ما يكشف زيفها ورداءتها عبر الزمن.

ذلك النوع من العلاقات يعطي الفرصة لأصحاب الأجندات الخاصة وأصحاب المصالح من مالكي السُلطة والصيت أو اللسان السليط، الإفلات بسهولة جدًا من شِرك العنكبوت، وهي علاقات مقيتة بغيضة ولا أخلاقية؛ فهي ليست مُخالفة للقانون الأخلاقي فقط بل للناموس الإلهي في ذات الوقت.

ما يحدث حاليًا في العالم الواقعي والافتراضي على حدّ سواء يُمكن تشبيهه بالعلاقة بين ربّ الأُسرة وعائلته، ذلك (الأب) الذي يعتقد أن طريقته في تربية أولاده “بالضغط” والحِرمان المادي والاستمرار بذلك، هو الطريقة المُثلى في الحفاظ على توازن الأُسرة وضبط نفقاتها وترشيد استهلاكها، فيستخدم جميع الأساليب القاسية التي تجرح كرامة أولاده وبناته، إلى الحدّ الذي قد يحرمهم من حقوقهم الأساسية للعيش الكريم وبكرامة – سواء بقصد أو دونه لا فرق -، ويستمر في الضغط عليهم حدّ الإهانة بحُكم امتلاكه للسُلطة والقوة والمال، تلك الضغوط الذي يُمارسها هذا الأب حتمًا سينجم عنها (بُركان) يغلي بالفعل السلبي، ومشاعر البُغض كذلك، الأمر الذي قد يقود أفراد عائلته إلى إيذاء أنفسهم وإيذائه، كتخريب مُمتلكاته ومنزله مثلًا، وقد يلجأوا إلى فِكرة الهجرة وهُجرانه أيضًا، وربما ينغمسوا في المحظور كتعاطي المُخدّرات أو المتاجرة بها للحصول على النقود المحرومين من الحصول عليها من (وليّ أمرهم)، كُلّ ذلك سيؤدي بالنتيجة إلى تدمير مُستقبلهم ومُستقبل وطنهم – أي أبيهم – كذلك، وهنا سيخرجون من عباءته بالعار وللأبد، على منوال هذا المِثال قيسوا على ما يحدث في هذا الوقت الحالي العصيب في العلاقة بين المواطنين بأولي الأمر، وكاسك يا وطن.

المعيار الحقيقي للعلاقة السويّة المتوازنة غير الظالمة للأغيار من قِبل أولي الأمر، هي مخافة الله قبل كُلّ شيء، لا مخافة ألسنة (بعض) البشر أو خسارة المال والموقع والكرسي والحجر؛ فمَن ينجو من عقاب الضمير لن ينجوَ بالتأكيد من العقاب الإلهي وقانون الدوران البشري لو بعد حين، ولعلّ شواهد الواقع العربي في السنين السابقة، والمحلّي أيضًا، أظهر لنا أن الكرسي لا يحمي مَن يجلس عليه، وينكسر تحته بسهولة فائقة، وفي الحالة الأخيرة على وجه الخصوص لن يحمي الإنسان سوى تاريخه المُشرّف وأخلاقه وما خطّت يداه، والأهم جمهوره القاعدي الشعبي الوطني الحُرّ (النظيف) فقط لا غير.

وعلى رأي المثل : “خلٌّ زورٍ أعوّل عليه فيخذلني أصعب من عدوٍّ أُعدّ له العدّة فتكفيني اليقظة شرّه”.

التوازن في الأمور الشخصية والوطنية هام جدًا أيها الحُكماء، وفي حال اختلّ هذا التوازن كما يحدث اليوم وخرج عن الحدّ الطبيعي والمُحتمل؛ فإن ذلك البُركان (الكامن) طيلة العقود الماضية سينفجر، وستقع الكارثة على رأس الجميع دون استثناء، اتعظوا يا أولي الأمر ويا أولي الألباب.. الأوضاع الحالية غير المُريحة ستجعل لنا من هذا الحديث بقية..  

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !