المواطن ممسوس أم مسحوق

المواطن ممسوس أم مسحوق
1٬653 مشاهدة

لا يُعاني المُجتمع من قِلّة الحيلة الاجتماعية فقط وإنّما من “اللاحيلة العاطفية” كذلك، وتتجلّى تعبيرات هذه اللاحيلة كون المواطن طرفًا ضعيفًا في علاقة غير مُشبعة، وفي رغبته اللجوجة أن يصبح يومًا ما مواطنًا من الدرجة الأولى، وأن يكون في علاقة مُشبعة ومُتبادلة مع خيرات الوطن المسلوبة، وحقوقه المسروقة..

تتوسط قِلّة حيلة المواطن في بدنه وصحّته، على شكل أوجاع جسدية أو اضطرابات وظيفية أو (ذهنية)، والأخيرة هي الأخطر على الإطلاق لأنّها تُعطّل العقل، كيف لا وهو دائم الأنين والشكوى من ضغوط الواقع الذي يعيشه على أنه ثابت لا يُمكن تغييره، ويسير به من السيء إلى الأسوأ ونحو “المجهول”.

المواطن المُرهق نفسيًا سواء المُكتئب أو القلِق أو حتى المريض جسديًا هو هدف سهل لِوهْم تلبُّس (الجان) وهلاوس الإصابة بالمسّ، وعلى العكس من ذلك، فإن المسّ نفسه يُعزّز المرض والقلق والاكتئاب، فهذا المواطن الذي يعيش وضعية ضاغطة على مستوى لُقمة العيش وتوفير الخبز في الحدّ الأدنى كقوتٍ له ولعائلته هو أكثر عُرضة للإصابة بعدوى المسّ، ناهيك طبعًا عن انهياره العقلي والنفسي أمام رفع الأسعار والضرائب الجنوني وراتبه يتراجع أمامه للوراء يومًا بعد يوم.

إن نظريّة المسّ هي في الحقيقة شكل من أشكال (الصعوبات التكيّفية) وطريقة من طُرق الاستجابة للعوامل المُثيرة، بالإضافة إلى وجود (القابلية) لتبنّي تلك النظرية؛ فالإيمان بالمُعتقدات السحرية القائمة التي تُعبّر عنها الخُرافات تؤمّن الخلفية المُلائمة لبروز ردود الفِعل المُتعلّقة بالمسّ في الوضع الحالي على وجه الخصوص، على الرغم أن المسّ نفسه ينتج عن ضغوط تعطّل قُدرات الفرد على التوافق مع المُحيط، وتراجع قُدرته على التكيّف أمام ضغوط الواقع المُتزايدة. فالمواطنين عمومًا اليوم يفتقرون الحيلة ومُقوّمات الوقاية من الظروف الوطنية الضاغطة، كما يفتقرون أيضًا إلى (بدائل) من ردود الفعل الصحّية في وجه مُحيطهم القامع وغير العادل.

المعايير الاجتماعية تتوقّع من المواطن أن يكون طاهرًا ومُخلصًا وأمينًا ومُحبًّا لوطنه ومتفانٍ في خدمته على حساب نفسه ونفسيته، لا ضير في ذلك بالطبع، وهذا هو حُبّ الوطن الحقيقي غير المشروط، ويكون العطاء للوطن أجمل إن كان مطلوبًا من الجميع بالدرجة نفسها، وإن كان توزيع خيرات الوطن على الجميع بالتساوي كذلك، وإذا كان الجميع سواسية أمام القانون أيضًا وهذا هو الأهم.

في هذه الحالة فقط يصبر المواطنون على هذا الوضع الساحق والطاحن جدًا، وعندئذ فقط يتمكّنوا من التضحية عن طيب خاطر بِمالهم وأنفسهم وأولادهم فداءً للوطن، بخِلاف ذلك يصبح (المسّ) هنا الاستجابة الأكثر مُلاءمة لهذه الضغوطات ولتلك المعوّقات الوطنية والاجتماعية؛ لأن ادّعاء المسّ يُمكّنه من الهرب من واقعه المُزعج إما بالإقلاب أو ربما بفقدان الذاكرة الانتقائي، ومن المُمكن أن يستخدم مروحة واسعة جدًا من السلوكات المُصنّفة سابقًا بأنها غير مقبولة وغير شرعية عُرفًا وقانونًا وباتت الآن مُبرّرة جدًا، كالابتزاز والسرقة واغتيال الشخصية مثلًا!!

فالمسّ عند المواطن الفقير “المسحوق” مسلوب المال والكرامة هو (ميكانيزم دفاعي)، يكون في الوعي تارة وفي اللاوعي تارة أُخرى، كشكل من أشكال المقاومة ضد تسلّط الحكومة أو الهروب من ضغطها وقمعها وجورها. فهي مقاومة مُتداخِلة في نسيج حياته اليومية المُتعبة، وهو يأخذ هذا المنحى لأنها الوسيلة الوحيدة (المُتاحة) له في الوقت الحالي، والوسيلة المُتبقّية أمامه التي يكسب فيها اهتمامًا وتعاطفًا. فلا يسمح له واقعه القمعي اعتماد المواجهة المُباشرة وحُريّة التعبير عن الرأي أو الصراع من أجل حقوقه بشكل حزبي مُقنّن ومُنظّم كما يحدث في المُجتمعات الأكثر تقدّمًا للأسف الشديد، ممّا يضطرّه اللجوء إلى (الخُرافات) وادّعاء الجنون والاستسلام لقوى “ما ورائية” لتحصيل حقوقه ومعرفة مصيره. وضع مُرهق ومُطبق في ذات الوقت سيُعيدنا إلى الوراء مئات السنين ..

إذًا لا يحقّ لنا الآن الاستغراب إن تفشّت ظاهرة عدوى المسّ في مُجتمعنا في ظِل الوضع الراهن المُرعب، ولا يحقّ لنا كذلك استهجان بروز حواضن العُنف وجيوب التطرّف والإرهاب، أو حتى الخوف من تنامي الجماعات التي تشعر بأفضليتها على الآخرين، وتُريد انتزاع اعتراف الجميع بقوتها عنوة، وفرض استحقاقها لخضوع الآخرين لها لأنّها الأقوى وتتعامل مع قوى غيبية، فهي ببساطة شديدة قادرة على إشاعة الفوضى والقتل بدم بارد وإلقاء الرعب في المُجتمع بأكمله. فجماعة (داعش) سابقًا وأخواتها وإخوانها مِثال سافر على ذلك والحبل على الجرّار مُستقبلًا، وهناك جماعة (الزعران) والفتوات والسحرة والعرّافين والدجّالين وغيرهم الكثير..

فلا تغترّوا بردود فِعل المواطنين المسحوقين والمطحونين على شكل النكات الضاحكة والتعليقات الساخرة التي تملأ صفحات التواصل الاجتماعي؛ فهي تشي بكمٍ هائل من الكبْت والغضب مُغلّف بالاستهزاء والمسخرة بسبب (اللاحيلة)، وهي في الحقيقة قُنبلة موقوتة قابلة للانفجار بِلحظة غفلة، فاحذروا قبل أن يحدث ما لا يُحمد عقباه..

ندعو الله تضرّعًا أن يحمينا جميعًا من تلك الأمراض المُعدية جدًا، وندعو أولي الأمر ضرورة الانتباه لِما يحدث حاليًا وعدم إهماله على الإطلاق؛ فالظُلم يؤذّن بالخراب والدمار.. 
حمى الله الوطن وحمانا جميعًا، ولنا في هذا الحديث من بقية… دمتم..

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !