ومن مأمنه يأتي الحذر

ومن مأمنه يأتي الحذر
1٬918 مشاهدة

ذات يوم، كثيرٌ منّا قد ذاق مرار الخديعة والأذى، ممّن “كنّا” نأتمنهم، على أنفسنا وأرواحنا وأعراضنا وأسرارنا وأموالنا وحتى الوطن، ومَن مِنّا لم يُصفع تلك الصفعة التي قلبت حياته رأسًا على عقب؟! قد تكون صفعات زادت وعينا أكثر، وهناك صفعات ذهلتنا حدّ الدهشة وآلمتنا أكثر فأكثر، وربما للبعض تلك الصفعات جعلتهم أموات وهم أحياء، والعِظة لِمَن يعتبر..

الضربات الموجعة جدًا هي تلك الطعنات التي تأتي من (مأمن) كصفعات المُقربين والأصدقاء وذوي القربى، إن كان ينطبق عليهم (شرف) القربى، ويعود سبب ألمها الشديد أنّها تأتي من مسافة قصيرة جدًا، فنعجز عن خلع عباءتنا عنها لأن “الشرّ” موجود في ظهرانينا، ثم يهجرنا المنام من هول الصدمة..

إن كان هذا الوجع فوق طاقة الاحتمال البشري، على الرغم أنّ الله لا يُكلّف نفسًا إلاّ وسعها، فما بالكم في وجع الوطن عندما وجب عليه الحذر من مأمنه قبل مخدعه؟! كيف يستطيع هذا الوطن الذي “في حجم بعض الورد” احتمال هذا الكمّ من الضربات المدويّة؟؟

لا أعني الوطن هنا بمفهومه التقليدي بالأرض والعرض فقط، وإنّما الوطن بمواطنيه المألومين عليه والمسحوقين لأجله.

المواطن اليوم يُمكن وصفه بالمواطن (المُعتّق) بخدر الألم، ذلك العَتَق الذي لا تُرجى نشوة مِنه، كيف لا وعَتَقِه مجبول بتراب الوطن المكلوم وحاله المأزوم؟! لماذا دارت عليه الأيام وتم صفعه بموعظة جميلة وخطيرة في ذات الوقت “ومن مأمنه يأتي الحذر” ؟؟

يا حُكماء الوطن، البوح بالمعلومات على طريقتكم الحالية بشكل تدريجي تارة، وتجميلي تارة أُخرى، وبالقطارة في معظم الحالات، يُعيق حالة (الاستشفاء) للمواطن، ولا تُشفي غليله ممّن آذوه وطعنوه وطحنوه وحرموه أدنى حقوقه الإنسانية، فما بالكم في وطن لا يقبل المغامرة ولا المقامرة على روحه!!

هل من الممكن أنّ نبثّ فيه روح الأمل وننعشه قبل موته سريريًا ونُعطيه ترياق الحياة مرة أُخرى إن كان هناك “بعضًا” من الثقة والمصداقية؟؟ ومَن يدري غيركم يا حُكماء الوطن؟؟

كيف يُمكن أن يحدث ذلك وكُلّ يوم تطلّ علينا من الصناديق المُقفلة والسراديب المُغلقة، وعلى القطعة، إمّا فضيحة مُعيبة، أو كارثة مُخزية، أو ملابس داخلية مُسرطنة، أو دخان عفن، أو جميد إسمنتي، أو مؤتمنٍ خائن، أو قاتلٍ مأجور، والقائمة تطول!!

حالة الغموض التي تلفّنا من رؤوسنا حتى أخمص أقدامنا، ستُحرّك الشارع إلى ما لا يُحمد عقباه في أسوأ الحالات، أو أن ترفع منسوب اضطراب (القلق الوجودي) لدى المواطنين في أحسنها، وهذا ما حصل فعليًا، فوصل السواد الأعظم من المواطنين إلى الدرجة التي استحبّ الموت فيها على الحياة، اكتواءً بنار الخديعة التي جاءت على مقتل، وعلى مذبح “الأمن والأمان” ممّن لا يستوجب مِنهم الحذر!! فلماذا لا نُقدّم (عفاريت) وأشباح الفساد مرة واحدة وبحملة واحدة قربانًا للوطن ؟؟!!

رؤوس المواطنون المليئة بالأسئلة الجازمة لن تحتمل طويلًا الأجوبة الرمادية صباحًا ومساءً كُلّ يوم، فرؤوسهم وما بداخلها هام جدًا جسديًا ونفسيًا وحتى سياسيًا، وإصرارهم للمُحافظة عليها دون (تشوّهات) هي حاجة فطريّة ومطلب غريزي، وغيرُ خاضعٍ للنقاش، وغيرُ قابلٍ لا للتفاوض ولا للمهادنة.

فمن الرؤوس نُفكّر، ونكتب، ونصرخ، ونُطالب، ونتنازل طوعًا، ومِنها أيضًا قد ننتقد أو نشتم وربما نثور. نرجوكم لا تجبروا المواطنين الوصول إلى تلك المرحلة الأخيرة، كما نُطالب الحُكماء مِنكم استخدام حواسّهم الخمسة معًا، لا سيّما حاسة الشمّ، لاشتمام الرائحة القوية الخارجة من “زفير” حراك (الرابع) الحامي، ومَن لا يخشى زفير “التنّين” فهو إمّا مُقامرٍ أحمق أو مُغامرٍ أرعن، وربما يكون جبانًا فيحزم حقائبه هاربًا، تاركًا الوطن في أيدي “الصغار” يلهون به من خلال (الصورلوجيا)، صفحات وهميّة هنا، ولايفات وبوستات هناك، وأخبار مُفبركة وإشاعات مُلفّقة هنا وهناك في ذات الوقت..

لا مزيد من البُخل في المعلومة على الفرجار، ولا مزيد من كتم الأسرار، فما عاد الوطن ولا المواطن يحتمل، خصوصًا عندما فاحت روائح الفساد العفنة، فاقضوا عليها قبل أن تقتلنا من نتانتها..

لا يُمكن لِما هو موجود داخل رؤوسنا أن يقتنع أن تلك المعلومات المُجزّأة والأسرار المُهترئة قد خرجت هكذا “بمحض الصدفة”، فلا القدر أحمق، ولا مناخنا فيه ريحٌ عاتية قد أطاحت بِفلان، أو أطارت علاّن ببساطة، ولا يُمكن أيضًا أن نسمح للقرن أن “يصفعنا”..

الاستقواء على المواطنين لن يُنقذ البلد، والحلّ الأجدى والأخلاقي هو الاستقواء فيهم لا عليهم، وفي هذه الحالة على وجه الخصوص (ننهض) بالوطن، بالأفعال لا بالأقوال، التي لا تُخطئها العيون ولا العقول ولا الأفئدة، وهنا يتحتّم علينا الاعتذار للوطن الجميل الذي لا يستحقّ مِنّا تلويثه بالزعرنة والاستقواء، لا افتراضيًا وعلى أرض الواقع كذلك..

الطعنة التي تأتي من (مأمن) ولم نأخذ لها الحذر بشعة جدًا وموجعة في ذات الوقت، للفرد والمُجتمع، وإن لم تقضِ عليه ربما تُحوّله إلى وحش كاسر إن لم يتبقَّ له شيئًا يخسره، فاحذروا يا أولي الألباب…

وحتى ذلك الحين، سيكون لنا من هذا الحديث قصة أخرى وبقية… دمتم….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !