صناعة الحياة

صناعة الحياة
2٬609 مشاهدة

عبارة (الحياة معركة) لا بدّ عند نُطقها أن نُطلق معها تنهيدة طويلة كئيبة ومُذعنة، كيف لا نتنهّد وحقبتنا الحالية متخومة بالوحشية؟!

وهنا يأتي دورنا في تحويل هذه العبارة غير الفرحة إلى أُغنيّة مرحة، وبدلًا من قتال الأشخاص، نُقاتل من أجل الأشياء الخيّرة وتحقيق الأهداف؛ لأن الأخير أمرٌ بديع ونبيل، ولأن معارك الحياة تضعنا دومًا بمواجهة مع النهايات، ثم تُغرينا مرة أُخرى لصناعة بدايات جديدة، تلك هي صناعة الحياة، ومن معاركها تُصنع حيوات أقوى..

تحتاج الحياة مِنّا إلى (الكفاح)، ولا يعني ذلك وضع الإرادة الذاتية مُقابل إرادة شخص آخر، بهدف تحطيمه وإخضاعه وربما اغتياله حيًّا أو قتله، ولكن، هذا ما هو حاصل في الحقبة الحالية للأسف الشديد، وبالرغم من ذلك، يجب أن نُميّز بين الكفاح (من أجل)، وبين (الكفاح ضدّ)، لأنّهما لا ينفصلان عند غياب الوعي والبصيرة، وفي هذه الحالة على وجه الخصوص يتناسى المُتصارعان دومًا عبارة “من أجل” لصالح كلمة “ضدّ”. وتذكّروا هنا أنّنا جميعًا نُعارك الحياة (من أجل) ذات الهدف، فلا تبدّدوا طاقاتكم (ضدّ) بعضكم فتضيع الحقوق كما ضاعت الأوطان وتغيب معها الكرامة..

شعار المرحلة من المفروض أن يكون الكفاح” مع الإرادة وبها “من أجل” الوصول إلى الأهداف الوطنية السامية لا الذاتية الضيّقة جدًا..

قد يبدو التفكير بمعركة الحياة مُبالغًا وتصادميًا، ومع ذلك نحن ما نجعل تلك الفِكرة بنّاءة أو هدّامة، فإمّا أن تطوّرنا ونحن نعارك أخطاءنا وعثراتنا من بنات الحياة وكدرها، ونكتسب دروسها القاسية، تلك التي تدفعنا لإخراج “أفضل” ما فينا وفي الآخر، لا أسوأها، وإمّا أن نحوّل المعركة “ضدّ” الذات والآخر، ولكم حُريّة القرار عند الاختيار؛ فالحياة لا تتوقّف عن التلقين وتعليم الدروس بحلوها ومرّها، فلا تتوقفوا أنتم معها عن “فنّ” التعلّم، فلا يُمكن للنضوج أن يكون إلاّ بخوض المعركة؛ لأن (سنّة) الحياة لا يُمكن لها أن تبقى على لون واحد، كيف لا وهذا ديدنها..

إذًا لا مفرّ ولا مهرب لأيّ شخص من مُعاركة الحياة، وما ليس منه مفرّ لا بدّ لنا من خوضه، ومَن يخشى الكسر أو يلبس ثوب الضعف ويتخفّى وراء قناع الخوف لن يكون له أثرًا في الحياة البتّة، وليس بالضرورة أن تكون معارك الحياة دموية، فالنجاح مثلًا هو معركة بين التقاعس والطموح، وحتى الحُبّ هو معركة أيضًا بين الواقع والتوقّع، ولتسهيل الخوض في غمار معارك الحياة وَجَبَ علينا فهم “ثنائيتها” الجميلة، أولى تلك الثنائية هي فهمها بشكل صحيح تمامًا وصياغة مُعادلتها، أمّا الثانية فهي الإصرار على النجاح بها دون الاكتراث للفشل والمُعيقات، وهذا هو الكفاح الحقيقي مع أنفسنا من أجل الوصول لِما نبغى، وليس تبديد الطاقة في جلد الذات وتلويم الآخر وتحويل الكفاح نحو (الضدّ).

معارك الحياة هي حروب شعواء مُزمنة، ما انفكّت تعمل على قتل المعنى واغتيال العقل وابتذال الجمال وتكفير الإبداع وتخوين السؤال وتهميش الأخلاق، بهدف إفشاء التوحّش، وإنتاج رعاع من ثقافة “القطيع” تابعين طيّعين يُحرّضهم الخوف للخضوع لعبودية مُختارة، أمّا حسم تلك المعارك والانتصار بها لا يكون سوى بالتسلّح بالمرونة الكثيرة، والمعرفة الغزيرة، والمبادىء البصيرة؛ فالأخلاق اليسيرة هي التي تُنير الطريق عند ضبابية الأجواء وتحسم معركة الموقف..

شئنا أم أبينا، نحن جميعًا مُقاتلون، الفرق بيننا هو في الاستعداد فقط؛ فهناك مَن يركن وينغمس في الملذّات ويسقط في أول جولة، وهناك مَن يستعدّ لها بالعتاد المُناسب ولا يخشى السقوط ليذوق لذّة التحليق.

والآن وفي هذا الوقت على وجه الخصوص، من الواجب علينا أن نُذكّر أنفسنا وأولادنا في كُلّ لحظة أن الكفاح في الحياة “ضدّ” لا يجوز سوى أمام العدو، وعدوّ العرب، كُلّ العرب، معروف منذ زمن طويل، ومنذ أن اغتصب أرضنا ومُقدّساتنا وما يزال. تلك الحالة فقط التي يجب أن ندعم “الكفاح ضدّ” في معركتنا مع الحياة. بخِلاف ذلك يجب ترويض جميع معاركنا الذاتية والوطنية “من أجل” فقط، لأن كسب المعارك لا يحدث بمقدار ما نهزم خصومنا أو نقضي عليهم فقط، وإنّما بقدر ما نقضي على رغبة الإيذاء داخل نفوسنا، وبقدر ما نُعدّل البوصلة ونوجّهها بالاتجاه الصحيح نحو العدو الحقيقي لا المزيف والمصنوع رغمًا عنّا..

لا يسعني أن أختِم سوى بأبيات فخمة من أمجاد العرب، فقد قال أمير الشعراء “أحمد شوقي”: “وما نيلُ المطالب بالتمنّي ولكن تُؤخذُ الدنيا غِلابا”.. أمّا أبي القاسم الشابي فقد قال: “إذا الشعبُ يومًا أراد الحياة، فلا بدّ أن يستجيب القدر، أباركُ في الناس أهلُ الطموحِ، ومَن يستلذّ ركوبَ الخطر، وألعن مَن لا يماشي الزمانَ، ويقنع بالعيش عيشِ الحجر”..

سأصير يومًا ما أُريد، وكُلّما احترق الجناحان اقتربت من الحقيقة وانبعثت من الرماد.. ومع كلمات محمود درويش سيبقى لنا من الحديث قصة أُخرى وبقية… دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

One thought on “صناعة الحياة

  1. م.راغب عطالله says:

    كلام جميل
    تحديد ..ضد.. وحديد من أجل
    تجعل الامور اكثر تركيز وموفره للجهد والوقت…واىاهم تزيد نسبه الداعمين وتقلل عدد السلبيين.
    حاولت اطبق القاعده على بعض الاهداف..مثل
    من اجل الرفاهيه(السعاده)….ضد الفقر
    ولا نستطيع ان نقول..
    من اجل الغنى…..ضد الفقر
    الهدف الاول ايجابي مجمع للجهود..والهدف الثاني سلبي مفرق للجهود
    آمل ان اكون تفاعلت بشكل صحيح لما طرحت…
    تحياتي..بالتوفيق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !