هيك الضحك على اللّحى !!

هيك الضحك على اللّحى !!
2٬965 مشاهدة

“والقَ عدوّك بالتحيّة لا تكن مِنه زمانَك خائفًا تترقّبُ”، “يلقاه يحلف أنّه بك واثقٌ وإذا توارى عنك فهو العقربُ”..
تلك الحِكم المُقتبسة من كلمات الشاعر “صالح عبد القدوس” والتي ينسبها البعض لسيدنا علي ابن أبي طالب، تعكس تمامًا كيف يكون “الضحك على اللّحى” في هذا التحليل النفسي الاجتماعي الوارد في هذا المقال.
من الصعب جدًا التعامل مع الشخصيات “المائعة” المُلتوية والمشهورة بالمُراوغة؛ ويعود السبب في ذلك إلى صعوبة وقوفها على أرض صلبة ومعيار ثابت يُمكّننا من الاحتكام إليه عند اللزوم، فهي تتشكّل وفق الموقف وتتلوّى كالحيّة وتتلوّن كالحرباء، وتتميّز بمهارة (المُسايرة) ممّا يمنحها قُدرة هائلة للتكيّف مع المُحيط، مهما كان، من خلال النفاذ من المواقف المُحرجة لِما يصبّ في مصلحتها، فلها منطقها الخاص الذي يختلف مع كُلّ منطق، كيف لا ومبادئها هي مصالحها ذاتها؟! وبهذه “الشخصيات” القبيحة والمُرعبة في ذات الوقت يتنامى “الضحك على اللّحى” في ظِل ما يُعانيه العرب بشكل عام والوطن بشكل خاص من مجموع “الهزائم النفسية” المتراكمة، وما أكثر الأخيرة، ككثر المتلوّنين، وما أكثرهم وأكثرهن..

إماطة اللثام عن سِمات تلك الشخصيات كثيرة العدد في هذا الوقت العصيب على وجه الخصوص بات ضرورة مُلحّة، حتى لا يختلط الحابل بالنابل، فهناك خيط رفيع جدًا بين “آفة” المراوغة والنفاق الاجتماعي المسكون في المُجتمع الحالي، وبين “مهارة” الذكاء الاجتماعي، الفرق جوهري، فالأولى متخومة بسوء النيّة، أمّا الثانية فهي مليئة بحسنها، وشتّان بينهما، على الرغم أن (النيّة) عصيّة التنبّؤ وعسيرة التبصّر..

شِعار تلك الشخصيات هو “ميكافيللّي” شكلًا ومضمونًا، وفق مبدأ (الغاية تُبرّر الوسيلة)، بالإضافة إلى السير على مبدأ (معاهم معاهم، وعليهم عليهم)، وأفضل ما يصفهم هو المَثل الشعبي القائل (لا تعرف لهم كوع من بوع)، أمّا أهم ما يُميّزهم هو تكراريّة التبرير، وفنّ التهويل أو التهوين حسب المصلحة، وهذا دليل على أن أخطاءهم ليس خللٌ في السلوك بقدر ما ينمّ عن خلل في الشخصية ذاتها، فتراهم تارة موالين وتارة مُعارضين، أحبّاء مرّة وأعداء مرّات.

ولعلّ ما عرّاهم على الملأ وسرّع في فضحهم هي وسائل التواصل الاجتماعي كافّة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، نراهم يضعون كبسة الإعجاب على منشور (يقدح)، وفي الوقت نفسه وفي ذات اليوم وربما في الدقيقة نفسها نرى كبسات الإعجاب مرة أُخرى على مَن (يمدح)، ثم ترى تعليقاتهم (تصدح).
تلك الميوعة في مواقفهم “الغامضة” تُربكنا في معرفة حقيقتهم وأفكارهم وتوجهاتهم، وتوقِعنا في حيرة التصنيف أهُم خلاّن أم غربان!! وهذا أمر مُعيب لأن التلوّن الحاذق والتسحيج المُراوغ والتحايل المارق يفضحهم سريعًا..

لا غرابة في ظِلّ هذه الأزمات “المصيريّة” التي يمر بها الوطن العربي من تنامي تلك النماذج الدخيلة على الأصيلة، حيث يعجز الكثيرون عن رصد لعبة التنقّل لهم بين موقف وآخر، وطني أم شخصي فلا فرق، فهُم يتنقّلون بين الضدّين كَرَمشة العين، فلا ينفكّون في “شيطنة” المواقف والأشخاص أو “رحمنتهم”، تلوّن بجميع ألوان قوس قزح حسب المصالح أيضًا.

وفي الوقت الحالي يبرز دور تلك الشخصيات “المائعة” في بثّ البؤس واليأس في نفوس المواطنين بهدف الوصول بهم من خلال ألعاب الحرب النفسية القذرة إلى (الهزيمة النفسية)، بحيث تنهار الشخصية تمامًا أمام الخصم أو العدو قبل وقوع الحدث، فيتم تجهيز “الجمهور المعني” لأيّ قرار مصيري من خلال أولئك “المتلوّنين” ليصلوا به حدّ الاستسلام والقبول، وربما التفاوض على حجم الخسائر القادمة لا محالة!!

والنتيجة الحتميّة لوجود مثل تلك الأنماط (اللّاوطنية) أوصل المُجتمع إلى الحدّ الذي فقد فيه القُدرة على المواجهة في ميادين الفِكر والمُنافسة الحضارية، وإنّما اكتفى بحالة من (النكوص) والهروب نحو الماضي والتزمّت له والتشبّث بقشوره، على حساب الحاضر والمُستقبل بتفاعلاته وحتى في إكراهاته، الأمر الذي قاد الناس نحو حالة “الجُبن” أمام التحدّيات المحدّقة التي تُحيط بهم من الداخل والخارج على حدّ سواء، ممّا أدّى إلى هزيمتهم نفسيًا ومعنويًا بسبب تمكّن الأوهام مِنهم، فتضخّمت في أعينهم قُدرات الخصم والعدو، وتقلّصت إرادتهم عن طلب حقوقهم، وتقزّمت قُدراتهم في الدفاع عن مصيرهم وبذل الثمن المُناسب، فوقعوا في فخّ (الرضى) بالحياة التافهة السخيفة الموسومة بالعجز والمسكنة، فلعبوا دور (الضحية) بجدارة وإتقان وربما باستمتاع كذلك، كُلّ ذلك وأكثر بسبب “الميوعة” من تلك الشخصيات “المبيوعة”..

هذه المرحلة التعيسة التي تمرّ على العرب وأوطانهم في هذه الأيام العصيبة، ساقت الناس إلى جميع أنواع التردّي الاقتصادي والثقافي والأخلاقي والسياسي المُمنهج، وزُرعت بينهم بذور الفساد منذ وقت طويل لحصدها عند اللزوم، ويبدو أن وقتها قد حان الآن على نطاق واسع، ولا ينذر ذلك إلاّ بمزيد من الهزائم النفسية خصوصًا عند بداية التضييق على الحُريّات..

النفوس الأبيّة والشخصيات القويّة لا تنهزم في عالم الضمير، مهما تكالبت عليها الشخصيات المراوغة الملوّنة، ومهما تنكّر لهم ممّن كانوا يظنون أنّهم يحمون ظهورهم، ومهما توالت عليهم الضربات والمؤامرات الخسيسة من مُنافقي الداخل وأعداء الخارج.
وعلى الرغم من كُلّ ما يُعانيه الوطن والمواطن اليوم، ما زال لدينا الأمل وترف التمنّي بأن لا تتسلّل الهزيمة إلى نفسه، ويسري اليأس إلى عقله، والبؤس إلى قلبه، ويضيق به الحال ليرضى بأي “صفعة” من أجل لُقمة العيش على حساب كرامة العيش، ونقول له هنا كما قال الإمام “الشافعي”: (ضاقت فلمّا استحكمت حلقاتها فُرجت، وكنت أظنّها لا تُفرجِ)، وتبقى الكرامة هي العنوان..

لا أجمل من كلام الله تعالى أُنهي به هذا المقال: “وقد هدانا سُبُلَنا ولَنصبرنّ على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكّل المتوكّلون”.. صدق الله العظيم

طالما هناك شخصيات مائعة تُمارس فُكاهة شنيعة في الضحك على اللّحى، سيبقى لنا من هذا الحديث بقية للوقاية من الهزائم النفسية في ظِلّ هذا العَطَبْ… دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !