ارحموا المُراهقين

ارحموا المراهقين
3٬102 مشاهدة

ممّا لا شكّ فيه أن كُلّ أُسرة في العصر الحالي تُعاني من صعوبة التعامل مع المراهقين ، وهذا أمر متوقّع، كيف لا والمراهقين أنفسهم ذكورًا وإناثًا مُرهقين أكثر من أُسرهم، ويتخبّطون بين ما هو مرغوب وما هو ممنوع، في هذا العصر الرقمي والتطوّر التقني بلا حدود والانفتاح الثقافي دون قيود..
“الهويّة المُهجّنة” المائعة هي ما يُميّز المُراهق/ة حاليًا، وهي تلك المُتأرجحة ما بين الماضي الأصيل والحاضر الرذيل، فلا هُم مُتقنون القيّم الفضيلة ولا يعرفون الهروب من الرذيلة، ونفسيّاتهم المُرهَقَة مَن تدفع الثمن ونفسيّات أهلهم كذلك..

مرحلة المُراهقة اليوم من أصعب المراحل العُمرية في هذه الحقبة الزمنية، ألم تلحظوا أن الدخول في المُراهقة المُبكّرة باتت أسرع وفي عمر أبكر ممّا هو معهود؟! طبعًا لذلك أسباب عديدة لسنا بصدد الحديث عنها هنا، ما يُهمّنا اليوم هو البحث عن إجابة لسؤال مشروع جدًا؛ هل الأب والأم مؤهّلون نفسيًا واجتماعيًا وأُسريًا (وأدواتيًا) للتعامل مع أولادهم وبناتهم المراهقين في هذه المرحلة؟!
وهل المدرسة بجميع عناصرها لديها من الخِبرة الكافية للتعامل مع مشاكل المُراهقة في العصر الحديث بطريقة لائقة؟! وهل سلوك المُراهق يختلف في الواقع الفعلي عنه في الواقع الافتراضي وواقع السوشيال ميديا ؟!
كثيرة هي التساؤلات، وهي مشروعة بِرهن الإجابة، لا بل تُعتبر إثارتها ضرورة مُلحّة في ظِل ركب هذا التغيّر الاجتماعي السريع والمُتسارع والمُرعب في ذات الوقت..
أضحينا اليوم نشهد نوع جديد من المُراهقة، وأكثر خطورة، تزامنت مع بزوغ جميع تطبيقات العالم الأزرق، هذا العالم الافتراضي الذي هوى بهم في مُستنقع مُتخم بالأوهام والخيالات التي أبعدتهم عن ثقافتهم الأصليّة، وأجبرتهم على السلوك بشكل لا يُليق، لا بهم ولا بعائلاتهم ولا حتى بأعمارهم، فقُتِلت “البراءة” ودُفن معها (الحياء)، فأمسى الأخير في الوقت الحاضر نوع من أنواع (الأناقة) السلوكية المفقودة، وشيء من “البهاء” الغامض الذي ما عاد يُرى على أغلب الوجوه وفي مرحلة المُراهقة على وجه الخصوص، إلاّ مَن رحم ربّي. ويا ليت الأمر وقف عند هذا الحدّ، وإنّما تعدّاه نحو الوصول إلى ظاهرة (الإدمان) على الشاشات، فأوقع المراهقين في بحر “الوحدة” والانطوائية والانعزال عن الواقع ورفضه، وعدم الرغبة في التفاعل مع البشر الحقيقيين باستثناء من يشبههم..

استخفاف الأهل باحتياجات المراهقين الحالية، وغياب الأدوات العصرية المُناسبة في التربية، زادت الفجوة بينهم وبين أولادهم وبناتهم، والخطأ المعرفي الزائف الذي يقع فيه الأهل، كُلّ الأهل، هو اعتقادهم دومًا أن ما يسمعونه من قصص، تلك التي تُقشعرّ لها الأبدان، بأنّها تخص فئة مُعيّنة من الناس بعيدة عنهم، وكأنّهم مُحصّنين منهم، وهنا يغفل الأهل تمامًا أنّه لم يَعُدْ أحدًا أو بيتًا عصيًّا عن الإصابة ممّا يعاني مِنه المُراهقون اليوم، سواء ضغوط نفسية أو ظواهر اجتماعية سلبية؛ لأن السلوك مُعدٍ، والسلبي مِنه هو الأسرع في نشر العدوى على الإطلاق، بناءً على مبدأ (التقليد والمُحاكاة) لأقرانهم في مرحلة المُراهقة، وإن لم يُجدّد الأهل طُرق تربيتهم بِما يتلاءم وعقول الجيل الحالي، وبأدوات تتناسب مع رغباتهم دون قمعٍ أو كبْت للبنت وللولد على حدٍ سواء، حتمًا سنبقى نراوح مكاننا فيما يقود إلى ضعضعة التضامن الأُسري وخلخلة الأمن المُجتمعي، وما نشهده اليوم من عُنف وجرائم وإدمان وقتل واغتصاب في هذه الأعمار الخطرة هو خير دليل على ذلك. فلا تبقوا مُشاهدين سلبيين لِما يطلبه المُستمعون، وكأنّكم مُستمتعون..

جميع الأجيال السابقة قد شهدت الكثير من التحدّيات والإغراءات في تلك المرحلة العُمرية، فما هو الفرق اليوم إذًا ؟! يتساءل كثيرون، الجواب ببساطة شديدة هو أنّنا نعيش الآن في ظِلّ (الزمن الحَرِج) إن جاز التعبير، هذا الزمن الذي يواجه تلاطم الضغوط النفسية والاجتماعية، والانكسارات الاقتصادية، والهزائم السياسية، ودمار الأوطان العربية، وهشاشة المؤسّسات الوطنية، وانحطاط الثقافة العربية، وتدهور الأخلاق، وتراجع القيّم، كُلّ ذلك يسير بخط موازٍ ومُتزامن مع الانفتاح الثقافي (الشرس) دون جاهزية أو حصانة عالية، ولا بُنية تحتية صلبة، كُلّ هذه العوامل الرئيسة مُجتمعة، وغيرها فرعية أُخرى كثيرة، تؤثر في هذه الفئات العُمرية بشكل سلبي غير مسبوق، وبتسارع مُرعب..

لا يُعاني الأهل في هذه المرحلة العُمرية من مشاكل المُراهقة المُعتادة فقط، كمشكلة التمرّد على الأهل وعدم احترام رغباتهم وقوانينهم مثلًا، أو مشكلة الإدمان على الإلكترونيات المُختلفة، ولا عن استمرار الخروج من المنزل وعدم الالتزام بموعد العودة المسموح، ولا حتى من أصدقاء السوء الذين لا يعجبوا الأهل، ولا ظاهرة التنمّر، أو التراجع الدراسي، ولا غيرها من تلك المشاكل المألوفة والمعروفة الناجمة عن اضطرابات المزاج وتغيّر الهرمونات في هذه المرحلة؛ وإنّما تضخّمت المشاكل حتى وصلت لحدّ أكثر تعقيدًا، فأمست مشاكل المُراهقة حاليًا ترتبط بنماء (الهويّات) جميعها، وتطوّرها بشكل صحّي وصحيح في ذات الوقت، سواء الهوية الجنسية المُرتبطة بالميول الجنسية الطبيعية، أو الهوية الجندرية المقبولة مُجتمعيًا، والهوية الوطنية، والهوية الثقافية، أمّا الهوية العربية فحدّث بلا حرج من شدّة شعور المراهقين بعار الانتماء لها، وحدّة التنكّر منها، وكأنّهم منها براء، ولذلك مؤشرات سلوكية مُختلفة نشهدها يوميًا على أرض الواقع، وفي كُلّ الأماكن، تتراوح بين تجنّب الحديث باللغة العربية أساسًا، لا فقط عدم الرغبة في إتقانها، وما بين الرفض للامتثال للقيّم العربية الأصيلة وتبنّيها، أو احترام ثقافة المُجتمع (العربية)، أو العائلية في أقل تقدير، لعلّ شواهد واقع المراهقين في البيوت والأُسر والمدارس والنوادي وحتى في الشارع، تشي بذلك بجلاء ساطع كسطوع الشمس، فكفانا دفنًا للرؤوس في الرمال، والتسمّر في حالة (الإنكار) لِما يُعانيه مُراهقي اليوم من إرهاق شديد، ولا داعٍ للتشبّث بمقولة عفى عليها الدهر وولّى (إحنا غير، أو أولادنا غير)، ناهيك بالطبع عن حجم المشاكل النفسية التي يُعاني منها مُراهقي العصر الحالي وكمّ الأدوية النفسية التي يأخذونها للأسف الشديد..

كُلّ ذلك وأكثر يحدث الآن في مُجتمعاتنا العربية، وبدلًا أن نبقى في دائرة اللطم والعويل، أو التغنّي بأمجاد ماضي الأهل الأكثر نقاءً وبراءة، وبدلًا من البقاء في حالة (النكوص) التربوي، وجب علينا جميعًا اليوم من أهل ومدارس ومسؤولين التحرّك فورًا، والتدريب على كيفيّة التعامل مع أولادنا وبناتنا المراهقين، والمُطالبة بإدراج مساق في الخطة المنهجية، لتعليم الجيل الجديد استخدام عقولهم بالطريقة الصحيحة وعدم هدر طاقاتهم، وتمكينهم نفسيًا واجتماعيًا، من أجل الوصول للصحّة النفسية والاجتماعية للمراهقين، تلك التي يجب أن يكتسبوها ويتعلّموها منذ الصغر؛ لأنّها لا تقلّ أهمّية البتّة من تعليمهم معادلات الرياضيات، فالحياة معادلة أيضًا..

خَطَرُ مرحلة المُراهقة الحالية، بات خطرًا يُهدّد الجميع دون استثناء، حتى وإن اختلف حجم الحُريّة والقيود لأيّ طبقة اجتماعية، فلا يُمكن لوم المُراهقين عند رغبتهم الانتقال من مرحلة الطفولة نحو الشباب بروح (المغامرة)، وبدلًا من كبْتهم ومنعهم قسرًا، احتضنوهم واستوعبوهم طوعًا، ولا تكرّروا ذات المشهد المُخزّن في رؤوسكم عن الولد أو البنت (النموذج)، اقبلوهم كما هم شكلًا ووزنًا وميولًا، ولا تفرضوا عليهم ما تتمنّوه أنتم؛ وإنّما ساعدوهم على تحقيق أمانيهم هُم، ولا بدّ هنا من تذكيركم أن تربية الولد تختلف عن طريقة تربية البنت، وهذا لا يعني أن أحدهما أفضل من الآخر، أبدًا، وتذكّروا أيضًا أن الجميع يستطيع تقديم (الرعاية)، وليس الجميع من يُتقن منْح (التربية)، والفرق بينهما كبير جدًا..

ونختِم بأحد مقولات عميد الأدب العربي “طه حسين” الرائعة؛ (بورِكَ مَن جمع بين هِمّة الشباب وحِكمة الشيوخ، وأصعب فصول الحِكمة في الحياة، هو أن تعرف كيف تصبح شيخًا كبيرًا). و(الشيخة) لها أصولها “المُكتسبة” لا الموروثة..
مصير كُلّ أُمّة يتوقّف على شبابها، فارحموا مراهقين اليوم شباب الغد يا أولي الأمر ويا أولي الألباب..
في كُلّ حديث نفسي اجتماعي يخصّ حياتنا اليومية، دومًا لنا حديثٌ آخر وبقيّة… دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

One thought on “ارحموا المُراهقين

  1. كامل عباس حسين says:

    مشكلة كبيرة تم تحديدها في هذا المقال بشكل رائع جداً
    ولاني مدرس لمرحلة المراهقة ولكوني اخ لخمسة اخوة اشكل بينهم الرقم خمسة وجدت المشكلة بفقدان القدوة الحسنة فقد كان ابي تربوياً خرج اجيالاً عديدة فكان لي قدوة
    ودرسوني اساتذة افاضل كل واحد فيهم قدوة حسنة
    بالاضافة الى ان المجتمع كان يتنقل فيهم القدوات الحسنة التي افتقدناها في هذا الوقت
    مشكلة مجتمعنا ان العوائل تزوج ابنائها وهم فاقدي التوجيه الصحيح ان كان ذكراً او انثى فماذا تتوقعون ان ينتج الجاهل بامور الحياة
    اضف الى ذلك ضعف المؤسسات التربوية وافتقارها الى الهدف الصحيح والذي هو بناء جيل محصن بالمعرفة والعلوم بكافة انواعها
    عندنا مثلا في العراق لم يتم الاهتمام بالمعلم ففقد القدوة فصار مهملاً في اداء واجبه
    في كل العالم يحصل الطالب على الف ساعة دراسية سنوياً ولكن في العراق يحصل الطالب على 300 ساعة دراسية وعليكم ان تتخيلوا حجم الخسارة التي يتعرض لها المراهق ان كان من ناحية العلوم المعرفية او التوجيه الاخلاقي والبناء النفسي
    كما ان المجتمع يعاني مما تعاني منه المؤسسات التربوية فهي الموجه الوحيد حيث يتخرج من هذه المؤسسات كل الشباب الذي عليه الامل في بناء الوطن
    الحل الوحيد هو وجود ارادة حقيقية من المشرع والمنفذ بالتغيير الصحيح والسيطرة التامة على وسائل التواصل الاجتماعي فقد شاهدت في النرويج عدم اهتمام الشباب هناك بهذه الاشياء بسبب التوجيهات التي يتلقونها في المؤسسات التربوية
    كما ان العائلة تتحمل قسطاً كبيراً في السيطرة على ابنائها ليس عن طريق الاجبار او التوجيه القسري فعلى الام ان تكون صديقة لابنتها وان تكون قدوة لها وان تشرح لها وباسلوب علمي وتربوي التغييرات التي تحصل لها في سن البلوغ
    وعلى الاب ان يطهر نفسه من كل دنس فهو قدوة لعائلته عليه ان يسعى للكمال حتى يكون موجهاً صحيحاً عندما ينصح ابنائه وان يكسب عائلته وان يلجأ الى الحوار في تعامله مع اولاده وان ينجنب الوالدين الضرب والتعنيف
    مرض خطير لم يسلم منه احد في وطننا العربي نسأل الله ان يجنبنا ويلاته ولو انها اصابتنا
    شكري وتقديري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !