لا توقظوا الوحش

لا توقظوا الوحش
4٬422 مشاهدة

قال رسول الله عليه الصلاة والسلام “تخيّروا نُطَفِكُم فإن العرق دسّاس”. وذلك يتطابق مع نتائج الدراسات الحديثة التي وصلت لنتيجة مفادها، أن كُلّ السِمات الإنسانية أساسها (جيني) وتنتقل من الآباء للأبناء، فالكذب جين، والنصب جين، والعنف جين، والأنانية جين، وحتى الطيبة والأخلاق جين.
والتنشئة الاجتماعية التي يتعرّض لها الشخص بجميع مؤسّساتها، فإمّا هي “تُبرز” هذا الجين أو ذاك، وإمّا أن (تكبته)، وهناك العديد من الأمثلة في الواقع التي كشفتها المواقع تؤكّد لنا ذلك، ويعود السبب إلى أن الطبيعة البشرية تشمل الجانبين؛ الخير والشرّ، ويتغلّب جانب على آخر بناءً على التفاعل ما بين “البيولوجيا والثقافة”. وكما قال الشاعر اللبناني جبران خليل جبران في مطلع قصيدته “المواكب”: (الخير في الناس مصنوع إذا جُبروا، والشرّ في الناس لا يفنى وإن قُبروا).

موضوعنا اليوم في هذا المقال، عن الإنسان بغضّ النظر عن جندره، رجلًا أم امرأة، صاحب العرق الأصيل المجبول على الطيبة والأخلاق، وذلك الذي حظيَ بتنشئة اجتماعية سليمة. ولكن، عندما يوضع هذا الشخص نفسه في محيط شرّير ويتعرّض لضغوط وظروف أقلّ ما يمكن وصفها بأنّها (شرسة)، فهل يبقى أسيرًا لأصله ويشدّه عرقه، أم أنّه يسير مع التيّار، ويتحوّل إلى “وحش” كغيره وتموت الطيبة التي جُبل عليها؟!

التغيّر سنّة الحياة، والناس تنضج مع تقدّم العمر، وتتغيّر، وذلك بالتزامن مع ما يواجهون من ظروف ومتغيّرات تُرغمهم على التغيّر “إجبارًا” في حالات كثيرة لا “طوعًا”، أمّا مسار تغيّرها نحو الشرّ أو الخير، هذا هو سؤالنا المشروع هنا، فهل من المعقول أن يبقى الإنسان معطاءً دون أن يأخذ مثلًا؟! وهل يستطيع الشخص أن يُسامح مَن ظَلَمَه وأكل حقّه؟! كيف بإمكانه المسامحة إذا ربّ العالمين ربط العفو فقط عند المقدرة؟! وهل بإمكان المرء “الطيّب” أن تحميه طيبته من الجوع والعطش والبرد في مجتمع يشيع فيه الفساد ويعتمد على (الطيبين) لتقديمهم قربانًا كأكباش فداء؟! هل من حقّنا وصف مَن تربّى من أبٍ قاسٍ أو أم جاهلة، بالسيّء أو “العاق” إن خالفهم؟! وهل من حقّنا أيضًا أن نندهش ونستهجن الوصول لمرحلة (القساوة) والتوحّش لِمَن ذاق مرّ الظلم، أو حتى ممّن سُجنَ ظُلمًا وخرج وحشًا؟!

أمّا التساؤل الأهم هنا، هل التحوّل نحو الشرّ هو “طارئًا” أم يُمسي أبديًا؟!

ما أظهره لنا الزمن، أن هناك وحشًا في داخل كُلّ نفس بشرية، ولكنّه (كامن)، ينتظر لحظة الخروج فقط، وفي تلك اللحظة على وجه الخصوص، إن حصلت، ستقوده إلى درب الأشرار بعيدًا جدًا عن الأخيار، ودون رجعة. وهُم فئتان، الأولى – وهُم الأكثرية – مَن لا تخرج دوافعهم عن حُبّ الاستحواذ على المال والسلطة ولا عن الأطماع والأحقاد، ثم تُلوّث سلوكاتهم القبيحة تركيبة المجتمع وخريطته الجينية من خلال “التكرار” للسلوك الإنساني، وتوريث الفعل اللاّمقبول.
أمّا الفئة الثانية، ممّن قادهم (الظُلم) حدّ الإيذاء والتشهير واغتيال شخصياتهم وسلب حريّاتهم وممتلكاتهم لإخراج “وحوشهم” الداخلية؛ حمايةً لأنفسهم ودفاعًا عن ذواتهم.
فمَن من الفئتين يحقّ لنا أن نعتبر ذنب إيقاظ وحشه الداخلي قد تكون (جريمة) أو ربما (حقًّا) مشروعًا؟! وعلى الرغم من اختلاف دوافعهم ورغباتهم إلاّ أن النتيجة واحدة!!! لذلك، سيبقى الصراع بين الحقّ و الوحش ، وبين النور والظلمة، بطول الحياة على كوكب الأرض؛ لأنّها حكاية لن تنتهي، وهي أُحجية من أُحجيات الزمن، ولغز من ألغاز السلوك البشري.

ما نشهده حاليًا من صراعات وفساد وحروب طاحنة ودمار وظلم وقتل وقهر وتشريد وسلب الأوطان وخيراتها، وغير ذلك كثير، ما هو إلاّ نتيجة لخيارات بشرية “إرادية” مُتأثّرة بالنزعات الوحشية في دواخلهم، ومَن يعيش (الصراع النفسي) المُدمّر فعليًا هو ذلك الإنسان الذي لم يعتد على الإيذاء، فيقع في فخّ “التضادّ” المُتأجّج، فتارة يشدّه عرقه وأصله وجيناته، وتارة يرضخ للظروف وللوحوش التي تُحيط به، إلى أن يُوقظوا الوحش في داخله، بعد أن كان يتأرجح بين الرغبة والامتناع. هذا الإنسان نقيّ العرق والجينات كثير الأخلاق، يبقى على صراع مع وحشه الداخلي حتى تخور قواه المُقاوِمة، كيف لا وهو يُعاني التناقض بين رغباته وقناعاته واستحالة إشباع كِلاهما معًا، ويُعاني التضارب أيضًا بين دوافعه، فوجود حاجتين (متضادّتين) داخله لا يُمكن إشباعهما في وقتٍ واحد، الأمر الذي يُسبّب له التوتر الانفعالي والقلق، واضطرابات في الشخصية، كُلّ ذلك وأكثر يعود إلى صراعه النفسي المرير؛ لأنّه ما زال نظيفًا!! وما أقلّ أصحاب هذا (الضمير الحيّ) في هذه الأيام العصيبة.
وتتّصل “الفضائل” بالجانب العقلي والروحي للإنسان، في حين تتّصل “الرذائل” بالجانب الحسّي للشخص، وذو العقل الراجح لا يميل إلاّ لعقلانيته لا لغرائزه؛ لأن الأخيرة تتحوّل في ظل المناخ (المُنحرف) وتوقظ الوحش.

وبات العالم في الوقت الحالي خاضعًا لسيطرة الوحوش البشرية، خضوعًا غير مسبوق، وهؤلاء الوحوش باتوا يمتلكون كُلّ شيء، المال والسلاح والعِلم والمعلومة والمعرفة وكُلّ شيء، ومشاهدها الأليمة والقبيحة في ذات الوقت، باتت واضحة تمامًا على أرض الواقع في جميع أنحاء العالم، حتى مات ضمير العالم بأسره، ولا سيّما في الوطن العربي..

ورغم بشاعة البلاد والعباد، ما زلنا نؤكّد عليكم ونطلب منكم؛ أن توطّنوا أنفسكم في الطيبة والأخلاق، وأن تتمسّكوا بمعدنكم مهما قست الظروف، فأنتم الأفضل وإن أضحيتم الأقلّية، والمجتمع بحاجة لكم سويّين نفسيًا وأصحّاء اجتماعيًا.
عالِجوا صراعاتكم النفسية قبل أن تقتلكم وتوقظ وحوشكم، ودعكم من مقولة (الطيبة ضعف أو هبل)؛ لأن الطيبة والذكاء لا يتعارضان، والطيبة والأخلاق صنوان لا يفترقان، فالودّ يجلب الودّ، والبغض يجذب البغض، أمّا النار فلا يطفئها سوى الماء، لا نارٌ مثلها ولا زيت يزيد من اشتعالها، فلا توقظوا الوحش يا سادة، فالمجتمع مُتخم بالوحوش، وشحيحٌ بالطيبين، دعوهم وشأنهم بسلام؛ لأن خروج الوحش منهم سيرشق الجميع بنيران غضبه دون استثناء، وهنا نقول (مش ناقصنا)، فالقاع مليء بهم..

ليس هناك أجمل ولا أحكم من كلمات الله تعالى لأختِم بها، حيث قال في سورة “الإنسان” في كتابه الكريم:
“إنّا هديناه السّبيلَ إمّا شاكرًا وإمّا كفورًا”
وقال أيضًا في سورة “الشمس”:
“ونفسٍ وما سوّاها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح مَن زكّاها، وقد خاب مَن دسّاها”..

بورك مَن أرانا آيات الله تعالى في أفعاله وأقواله لا فقط في عباداته، وبورك مَن أدرك أن الحياة ما هي إلاّ مرحلة عابرة فانية، تنتهي بلحظة، ولا تحتمل كُلّ هذه الشرور من الوحوش البشرية، وهي أقصر من أن يفنيها في الصراع النفسي المُرهق والصراع الاجتماعي المُطبق..
وحتّى نصل لهذا “النضج” في إدراك الحياة والاستمتاع بها دون التعدّي على حقوق الآخرين، سيبقى لنا حتى ذلك الحين حديثٌ آخر وبقية… دمتم….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !