كبّروا “الدماغ” ووسّعوا “الجمجمة”

كبّروا الدماغ ووسّعوا الجمجمة
2٬106 مشاهدة

العبارة الشعبية الشهيرة التي اقتبسناها من أشقّائنا شعب مصر العظيم المعروف بحسّ الفكاهة (كبّر الدي ووسّع الجي)، وهي وإن تُستخدم عند المُزاح إلاّ أنّها تشي بمعانٍ عميقة عن أهمّية الرأس المُركّب على الكتف، والذي يحتوي على أهمّ ما كرّم الله به الإنسان عن باقي مخلوقاته، ألا وهو نعمة (العقل)..
وإنّ تكبير “الدي” – أي الدماغ – وتوسيع “الجي” – أي الجمجمة – تعني حشوها بالعِلم والمعرفة التي تنتج الأفكار والمُفكّرين، لا ملئها بنفايات فِكرية وملوّثات بشرية لا تُسمن ولا تُغني من جوع، كما تعني التروّي عند الغضب، والتفكير قبل النُطق، وتطابق المنطوق مع المقصود.
وهناك الكثير من المعاني التي تدور جميعها حول فِكرة رئيسة مفادها (السلاح الأخطر والأهمّ هو الفِكر لا الرشاش)؛ لأنّ الأول هو فقط مَن يصنع الأخير ويعرف متى وكيف يستخدمه..

الإنسان “المُفكّر والمُتفكّر” هو مَن يملك أفكارًا وتصوّرات مُغايرة لتوجّهات الجمهور، وهو الرافض دومًا لأيّ نوع من أنواع استغلال سذاجة الجمهور أو التلاعب بعواطفهم وتحريكهم كالدمى، ولا يقبل بأيّ حال من الأحوال أن يُطبّل مع المُطبّلين ولا التزمير مع المُزمّرين ولا حتى التسحيج مع المُسحّجين حسب مصالحه وأهوائه، وربما يُغرّد خارج السرب أيضًا إن اقتضت المصلحة العامّة (الوطنية) ذلك، لا مصلحته الشخصية فقط، هو ومَن مثله فقط مَن يحمي الوطن وأرضه وعرضه حتى لو لم يكن يملك “سِلاحًا”؛ لأنّه يملك ما هو أخطر وأهمّ، فيملك نعمة العقل والفِكر والمعرفة، فذلك فقط ما يجعله ينأى بنفسه عن ملذّات العيش ورفاهيته في كنف المُستبدّين والفاسدين، وذلك فقط ما يقوده إلى الرفض المُطلق أن يكون أداة، لا بيد السُلطة ولا بيد الجماهير المُغيّبة؛ لأنّه يفضّل أن يكون لسانًا للحقّ (المُتسلّح) بالمنطق، وعقلًا ناطقًا باسم الوطن ومواطنيه فعلًا وقولًا لا تنظيرًا إعلاميًا..
وهنا لا بدّ لنا أن نُعرّج على ما قاله المُفكّر والمؤرّخ عالم الاجتماع العربي العراقي العظيم “علي الوردي”: (الأفكار كالأسلحة تتبدّل بتبدّل الأيام، والذي يبقى على آرائه “العتيقة”، هو كمَن يُريد أن يُحارب الرشاش بسلاح عنترة بن شدّاد)..
ولا بدّ لنا أيضًا أن نعود إلى ما قالته سيئة الذكر رئيسة وزراء الكيان الصهيوني “جولدا مائير” عن المُناضل العربي الفلسطيني (غسّان كنفاني)، والذي صادف ذكرى مصرعه على أيدي الموساد الصهيوني قبل عدة أيام، قتلوه بسبب رعبهم من فِكره وقلمه، وناضل ودافع عن فلسطين بقوّة عقله وأفكاره الوطنيه فقط، ولم يحمل سلاحًا أبدًا، ورغم ذلك اغتالوه، أتعلمون لماذا؟! الجواب بما قالته المجرمة آنذاك جولدا مائير:
(اليوم تخلّصنا من لواء فِكري مُسلّح، فغسّان بقلمه، كان يُشكّل خطرًا على اسرائيل أكثر ممّا يُشكّله ألف فدائي مُدجّجين بالسلاح)..
أرأيتم؟! قالت تلك الصهيونية (قلمه وفِكره) ولم تقل سِلاحه، وهذا هو مقتل الصهاينة الأكبر، (فِكر العرب)، لذلك كانت خُططهم كُلّ الوقت مُنصبّة على تغييب العقول، وتزييف الوعي، وشراء الأقلام، ومسح ذاكرة الجيل الجديد بشكل إعلامي رقمي مُمنهج، واختراع فِكرة (العدوّ الآخر) لإلهاء العرب ببعضهم على قاعدة (سوسه من عوده)، وتشتيتهم عن التفكير الخلاّق، وعن أي إبداع فِكري ثقافي نهضوي.. وقد نجحوا في ذلك بجدارة مُنقطعة النظير للأسف الشديد..

مَن يحمل مثل هذا العقل المُفكّر، المُستنير، المسكون بالحِكمة والانتماء، مَن بإمكانه أن يحمي الوطن فقط، حتى لو لم يمتلك مسدس أو كلاشنكوف؛ لأنّ حمل الأسلحة دون “فِكر ومبدأ” له تأثير ومقبولية اجتماعية ووطنية (لن) ينقذ الوطن، وهو بمثابة منح رُخصة قيادة شاحنة لمَن لا يتقن سوى قيادة بسكليت على أربع عجال..

المُجتمع العربي في العصر الراهن؛ عصر المعرفة والتقنيّات المُتطوّرة، مُصاب بِ ((فقر الدم الثقافي)) إن جاز التعبير، كيف لا ونحن مُستهلكون فقط لا مُنتجون، لاهون لا قارئون، مالكون لأحدث الأجهزة لا أحدث الكُتب، ساكنون أفخم البيوت لا مسكونون بالراحة والأمان، راكبون سيارات فارهة تمشي على طُرق فاسدة، أتريدون أيّها القرّاء توصيفات أُخرى لما آل إليه حال المُجتمع اليوم؟! فما زال في الجعبة الكثير والكثير.. اعتقد الباقي عندكم..

هل مثل هذا العقل الجمعي في ظِلّ غياب الضمير الجمعي، وطغيان السلوك “الهستيري” الجمعي، المبني على التقليد وعدوى السلوك البغيض، هل سيحمي الأوطان حتى لو اقتنى أحدث الأسلحة؟؟!! الجواب متروك لكم..

عندما يغدو هدف المُجتمع (التغيير) لا فقط الاكتفاء بِ (التبرير)، والانشغال بصغائر الأمور، عندها ستقوى اللُّحمة الداخلية، ويزيد (التضامن العضوي) الذي يُقوّي بدوره البناء الاجتماعي، وتعاضد مؤسّساته وتماسكها لا تفكّكها وانهيارها، وفي الحالة الأخيرة على وجه الخصوص يحتاج الوطن لعقول كبيرة وأدمغة حكيمة لا أسلحة فقط، وبذلك يستطيع الوطن بمواطنيه الذود فعليًا عنه أمام (صفعة) ومطامع الأعداء الخارجية، ومفاسد أعداء الداخل..

المُتغيّرات السياسية العالمية والعربية والمحلّية سريعة جدًا مع تبدّلات الواقع السياسي، ولكن، التغيّرات الاجتماعية لا تواكبها بالسرعة ذاتها، وفي واقع مُجتمعاتنا العربية يتّسم “التغيّر الاجتماعي” بالبطء الشديد، ويعود السبب في ذلك إلى اتّساع الفجوة الثقافية والمعرفية والفِكرية بشكل لا يتلاءم مع التغيّرات السياسية والاجتماعية، لذلك غدت (الهيمنة) ثقافية وفكرية ليست اقتصادية فقط، والهيمنة الثقافية أقسى وأسوأ بكثير، وهنا مكمن الخلل والخطورة في ذات الوقت، وما يحدث حتى يومنا هذا يشير بما لا يقبل مجالًا للشكّ أنّ (فقر الدم الثقافي) هو السبب، لذلك؛ لم تكبر (الدي) ولم تتوسّع (الجي) إلى الآن، ويا مُغيث..

أصحاب (الكفاءات الفِكرية) العالية فقط مَن يُمكنهم التأثير في الناس، لا أصحاب المعالي ولا أصحاب المناصب ولا حتى “الاسم الأخير” من المُمكن أن يؤثّر قيد أنملة إن لم يكن ذو فِكر عميق جدًا وحكيم أكثر بعيدًا كُلّ البعد عن المصالح الآنية الضيقة، وهذا ما يحتاجه المُجتمع حاليًا لقيادته..
فلا تتركوا الوطن للأبواق الفارغة والأفواه الطامعة والألسن الطويلة والأقلام المأجورة التي تستقوي بالرصاص لا ببارود العقل أو نيران الفِكر، وبالمقابل، أيّ مسؤول أو طامع في المنصب لا يتحسّس آلام المواطنين لا يستحقّ شرف اللقب ولا ترف المنصب حتى وإن كان يحمل أرقى الشهادات الجامعية من هارفرد وغيرها..

واستشهد هنا بمقولة للأديب والروائي الفرنسي “فيكتور هوجو” عندما قال: (أقوى شيء في الكون كُلّه، أقوى من الجيوش وأقوى من القوة المُجتمعة للعالم بأسره، هي “فِكرة” آن أوان خروجها إلى النور)..

وأخيرًا وليس آخرًا، بالفِكر فقط نستطيع أن نصنع مُجتمعًا من الورد لا من الشوك، والوطن بحجم بعض الورد إلاّ أنّه له شوكةٌ ردّت إلى الشّرق الصبا..
كبّروا (الدي) – الدماغ -، ووسّعوا (الجي) – الجمجمة – يا سادة، وردّوا إلى الشّرق الصبا بما تصنعه أفكاركم لا بما تحمله أيديكم فقط…
وحتى ذلك الحين سيبقى لنا حديثٌ آخر وبقيّة.. دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

One thought on “كبّروا “الدماغ” ووسّعوا “الجمجمة”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !