محكّ الآمال إتقان الأعمال

محكّ الآمال إتقان الأعمال
675 مشاهدة

ما يحتاجه الشعب العربي حقيقةً هو تعلّم ثقافة “إتقان العمل” واحترام قيّمه، لا كثرة الشكوى والتذمّر من العمل، أو عدم وجود فرص عمل على (المقاس)؛ لأنّه ببساطة اعتاد الشعب العربي على (البلادة) وحُبّ الوصول للمنصب دون جهد، فتراهم يعملون ضمن “بطالة مقنّعة” ولكنّها صناعة يدوية بامتياز، وفي القطاعين سواء العام أو الخاص.

إتقان العمل، والشعور بحالة الرضا عنه، والقيام به بإخلاص وتفانٍ، هو من أهمّ الخطوات نحو تحقيق الذات، ولا يتم الإبداع والتخليق ثمّ “التحليق المهني” دون ذلك، ودون الشعور بحالة الرضا عن الذات أوّلًا ثمّ عن العمل نفسه.
كثرة الشكوى من العمل هي السبب الرئيس في قلّة فرص العمل وأحد أسباب انتشار البطالة، وهي ثقافة سائدة جدًا في المجتمع العربي (المستوزر) للأسف الشديد، ويرتبط ذلك بعدّة عوامل، لعلّ أهمّها حصر مجموعة الأعمال المحترمة اجتماعيًا وثقافيًا ضمن مجموعة ضيقة من المهن، وهذا خطأ ثقافي اجتماعي لا بدّ من إصلاحه، وهو ما نسمّيه بِ “ثقافة العيب“، التي تجعل كُلّ من الشاب والشابّة النظر بسلبية للعمل الذي بين يديهما، وعدم إتقانه ولا حتى الاستمتاع به؛ لأنّه ببساطة شديدة ما يهمّهم هو الأجر المدفوع آخر الشهر، وتزيد هذه الحالة بالطبع إن كان الأجر محدودًا، ولا يكفي متطلّبات الحياة الرئيسة في ظل غلاء المعيشة الجنوني.

أمّا السبب الثاني فيعود إلى أنماط التعليم العالي في مجتمعنا، التي لا تخضع لمحدّدات العرض والطلب وحاجة السوق، ولا حتى للاختيار الحرّ والدقيق المتناغم مع مؤهّلات الطالب/ة وإمكاناتهما، الأمر الذي يكدّس أعدادًا هائلة (كميّة) من الخريجين/ات من ذات التخصّص على حساب (النوعية)، وبعد ذلك تجد تلك الأعداد صعوبة فائقة في إيجاد وظيفة تتناسب مع التعليم والتخصّص، ولا مع الرغبة والميول، وعدم الرغبة تعود بداياتها إلى اغتراب الطلبة عن الاختيار الأكاديمي الذي يكون غالبًا محكومًا برغبة الأهل وأمنياتهم والنظرة الاجتماعية، لا على معيار رغبة الشخص وإمكاناته، وهذا ما يقودهم إلى الإخفاق في سوق العمل فيما بعد، والتخبّط في حالة من عدم الرضا، فإن كان الطالب/ة غير راضين عن تخصّصهما الجامعي أساسًا، فكيف سينعمون بحالة الرضا عن المهنة لاحقًا ؟؟!!
وذلك يفسّر حالة الإحباط وعدم إتقان العمل لروّاد الوظائف المختلفة؛ لأنّهم ببساطة شديدة غير راضين لا عن أنفسهم ولا عن العمل نفسه، فيقعوا في مطبّ الإهمال وعدم الرضا والتردّد في الاستمرار، ممّا يخلق في داخلهم حالة من الاضطراب والتناقض.

ومن الأسباب الهامّة جدًا التي تسود المجتمع العربي والنابعة من الإرث الثقافي، وتحديدًا لدى قطاع الشباب، هي صفات عدم التريّث والعجلة، فهُم لا يستوعبون أنّ الترقّي والتطوّر على (سُلّم) الوظيفة محكوم بعدّة عوامل لا يمكن تجاوزها في أيّ حال من الأحوال، ألا وهي: الوقت، والتجربة، وتراكم الخبرة، وتطوير الذات، والمثابرة، والاستمرارية، والعمل الدائم بضمير، والأهمّ إتقانه. لذلك نجد أنّ الجميع ينتظر دومًا حدوث الطفرات والمعجزات التي تنقلهم بسرعة من حال إلى حال آخر تمامًا، ولا يكلّفوا أنفسهم عناء البحث عن الفرص، وإنّما ينتظرون طويلًا واهمين قدومها إليهم على طبق من ذهب، ولا يعلمون أنّها لن تأتِ أبدًا، طالما هم متسمّرون أمام التطبيقات الذكية، وينامون حتى الظهيرة بعد أن تطير الطيور بأرزاقها في الصباح الباكر، وهذا ما نسمّيه بِ (الطموح الزائف)، وهو الذي لا يحدث أبدًا؛ لأنّ وجود هاجس الطموح غير المبني على الإمكانات الفعلية، والعمل الجاد المُتقن، هو طموح زائف غير قابل للتحقّق إطلاقًا، ولن يخرج عن إطار “اللغو” التافه وأحلام اليقظة الوردية..

وفي كُلّ الأحوال لا يمكن تحقيق (الأمن) الداخلي والخارجي على حدّ سواء دون الاستشعار الحقيقي في الانتماء للعمل، وهذا بدوره يؤثّر على الحالة الوجدانية للشخص على مستوى العواطف، ولا يمكن لأيّ إنسان ممارسة عواطفه بشكل سليم ومخلص وصادق إذا لا ينظر لذاته نظرة إيجابية، وإتقان العمل وتحقيق “الذات المهنية” هي أحد العوامل المؤسّسة لثقة الشخص بنفسه ونظرته الإيجابية لذاته. والأخيرة هي ما تؤثّر على استشعارنا للمضيّ قُدُمًا نحو تحقيق الذات والإبداع، فكيف يمكن لشرارة “الإبداع” أن تتّقد وتتوهّج دون وجود مادة فعلية لهذا الإبداع، والمادة هنا هي (إتقان العمل)، أيّ عمل، مهما كان نوعه وتراتبيّته من حيث القيمة في المجتمع، فما يهمّ هنا هو الشعور بالرضا والرغبة معًا، بعيدًا عن ثقافة العيب والغنى السريع والاستوزار، تلك الثقافة بكُلّ أشكالها التي اقتحمت عقول الشباب بكُلّ قسوة وشراسة..

واقع الحال يُشير إلى عزوف كثير من الشباب من الجنسين عن بعض الوظائف والمهن وربّما بعض المهام، وبترفّع غير مبرّر إطلاقًا، فنجد الشاب يرضى على نفسه البقاء دون عمل والبقاء عالة على أهله على أن يقبل أيّ عمل ليُعيل نفسه وأسرته؛ لأنّه يريد مكتب وتكييف ومراسل تحت إمرته وغير ذلك من المظاهر الخدّاعة، كُلّ ذلك وأكثر على حساب نوعية العمل وتطوّره؛ لأنّ طريقة التربية في الأسر العربية تعزّز الاعتمادية وعدم الاستقلال، فيبقى الشاب يعيش على جلباب أبيه، إلى أن يكتشف كُلّ منهما بشاعة هذا الوضع ولكن بعد فوات الأوان. فلا تعيدوا أيّها الشباب إعادة إنتاج ذلك مع أولادكم كما فعل آباؤكم..

اعرفوا يا شباب الوطن أنّه لا يمكن تصميم الذات على (الريموت كونترول)، ولا يوجد زرّ سحري نكبس عليه ليحلّ جميع المشكلات، فهذا شيء ضرب من المحال ولا يمكن أن يحدث سوى في الخيال. واعلموا أيضًا أنّ العمل المُتقن المسكون بالطموح والصبر والمثابرة هو دلالة هامّة جدًا تشير إلى المستوى الحضاري للمجتمع، ولا يمكن وصف أيّ مجتمع ولا أيّ وطن بالحضارة والتقدّم دون تبجيل العمل ورفع مقداره، لا بكثرة الشكوى وإهماله..

وأخيرًا نقول لكم يا بناة الغد وأعمدة الوطن أنّ وجود (الفجوة الكبيرة) بين الأمنيات والإمكانات وما بين الرغبة والجهد، هي من أهمّ أسباب الإخفاق في العمل، وسبب بقاء الوطن يراوح مكانه، وتخلّفه عن اللحاق بركب الحضارة السريع جدًا، وهذه الفجوة أيضًا هي السبب الرئيس في صراعاتكم النفسية وآثارها الوخيمة عليكم وعلى الوطن.
فلا تستعجلوا المال والمنصب والراحة والمكتسبات التي ترغبون في الحصول عليها بسرعة، ما تصنعه أيديكم بإتقان هو فقط ما يقودكم نحو ما ترغبون ولكن بالتدريج، وتذكّروا أنّ كُلّ ما يأتي على عجل يغادر كذلك على عجل، وفي تلك الحالة على وجه الخصوص تكون الخسارة فادحة وتعيدكم إلى نقطة الصفر وربما أكثر..

وأختم بمقولة أحد أقطاب الأعمال في الولايات المتّحدة ومؤسّس شركة “أبل”، وأيقونة الطموح الحقيقي (ستيف جوبز) عندما أعطى الشباب عصارة خبراته، حيث قال:
“الناس تحكم عليك من خلال أدائك، لذلك ركّز على مخرجاتك، واجعل الجودة والإتقان هي مقياس أعمالك، ولا تنظر إلى الكمّ ولكن إلى الكيف”..

وحتى ذلك الحين، عندما يُخرج مجتمعنا العربي نماذج ناجحة طموحة مُتقنة للأعمال على محكّ الآمال، سيبقى لنا حديثٌ آخر وبقية… دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

COPY IS NOT ALLOWED النسخ غير مسموح