لا يتسامح سوى الأنقياء

لا يتسامح سوى الأنقياء
2٬804 مشاهدة

الاختلاف لا يعني الخلاف، واختلاف “الرأي” أو اختلاف الجنس أو اختلاف العرق أو اختلاف الدين أو اختلاف الجنسية لا يُفسد القضية، ولا يقتل الودّ ولا يزرع الحقد…

قبل أن أبدأ الخوض بمفهوم (التسامح) والثقافة المرتبطة به، أودّ أن أوضّح الخطأ الشائع الّذي يقع به البعض عند استخدام مفهوم “التسامح” للتعبير عن قبول الآخر المختلف في الرأي، أو المختلف في الدين أو الجنس أو الجنسية أو العرق أو الطائفة وغيرها..
المقصود بما ذُكر أعلاه هو “ثقافة قبول الآخر” – كما هو تمامًا – دون عناء محاولات التغيير، ولا الحكم المسبق والمطلق، ولا حتّى العنونة؛ والمطلوب أيضًا خلق (لُغة حوار) صحيحة ومحترمة في ذات الوقت.

أمّا “التسامح” فيعني الصفح عن الآخر على سلوك خاطىء مُسيء بدر منه وسبّب الضرر والأذى لغيره، وإعطائه فرصة أُخرى، مع أخذ الحذر والحيطة بالطبع؛ حتّى لا يقع الطرف المُتضرّر بفخّ الأذى مرّة أُخرى.
لذلك لا يجوز استخدام هذا المفهوم في إطار (التسامح الديني) على سبيل المثال، وكأنّ الديانة الأُخرى تقع في دائرة الخطأ ونريد أن نصفح عنها؛ وإنّما يجب أن نردّد بدلًا من ذلك مفهوم (قبول الاختلاف الديني)، وينسحب استبدال مفهوم التسامح بمفهوم (قبول الاختلاف) على كافّة استخدامات مفهوم التسامح الخاطئة في إطار قبول الآخر المختلف، سواء الاختلاف بالرأي أو ربما أيّ اختلاف؛ لأنّ الأخير لا يقلّل من قدر الشخص “المختلف” ولا من إنسانيته.

وهناك اعتقاد خاطىء أيضًا، وهو سائد جدًا في المجتمع بشكل مغلوط، باعتبار أنّ مسامحة شخص أخطأ في حقّ آخر، يعني التغاضي عن السلوك المؤذي أو العدواني الذي سببّ ضررًا له أو لها، وهذا خطأ فادح؛ ولكنّ الصواب هو قبول الموقف رغبةً في المضيّ قُدُمًا نحو مرحلة أكثر إيجابية في العلاقة، مع أخذ الحيطة والحذر، ضمن مبدأ (سامح ولكن لا تنسى الأذيّة)، ليس من منطلق “الحقد” إطلاقًا، بقدر ما ينبع من إتقان فنّ “التغافل” لتسير الحياة براحة مع الذات ومع الآخر، ودون الوقوع في فخّ الإيذاء مرّة أُخرى، فالأذى في المرّة الأولى عيبٌ من الآخر، أمّا الوقوع في الأذى في المرّة الثانية والثالثة والعاشرة هو عيب من المتأذّي نفسه، وربّما غباءً منه أيضًا لغياب حذره، وهذا هو بالضّبط جوهر ثقافة التسامح..
فهي عملية لا تصبّ في مصلحة الطرف الآخر الذي سبّب الأذى بقدر ما تصبّ في المصلحة الشخصية والصحّة النفسية الذاتية؛ لأنّها ببساطة شديدة تخلّص الإنسان من المشاعر السلبية، كالغضب والحقد والاستياء والرغبة في الانتقام، وتلك مشاعر مرعبة تدمّر الشخص نفسه قبل أن تدمّر الآخر؛ لأنّها تقوده لإحلال الطاقة السلبية محلّ الطاقة الإيجابية ومكان الإنتاجية، لا بل تعطّل الأخيرة وتجمّدها بسبب احتلال الأفكار السلبية لمساحة كبيرة من الدماغ.
فالطاقة السلبية تدمّر صاحبها أوّلًا، ولا تزول من تلقاء نفسها إطلاقًا؛ وإنّما من خلال تحديد الأفكار المرتبطة بها، ومعالجتها بوسائل تنفيس ملائمة، وتكنيكات خاصّة، وربّما تحتاج مساعدة من المختصّين كذلك..

إنّ تعلّم “ثقافة التسامح” تتطلّب مجهودًا عقليًا وعاطفيًا وسلوكيًا كبيرًا، لذلك تعتبر عملية صعبة وبطيئة في ذات الوقت؛ لأنّها ترتبط بشعور (استحقاق) الحُبّ والاحترام وقبول الاختلاف لسمات الآخر وتوجّهاته وآرائه، ولتعلّم تلك الثقافة يجب تعلّم “ثقافة الاعتذار” أوّلًا، وذلك من خلال الاعتراف بالخطأ، وأن يتحمّل كُلّ طرف مسؤولية الأقوال والأفعال في موقف الخلاف، وأن يتجنّب الدور الدفاعي وتبرير الخطأ والصارخ منه على وجه الخصوص، حتّى لا يتم دفع الطرف الآخر دفعًا نحو الهجوم، وهذا ما يحدث في الواقع وفي المواقع حاليًا للأسف الشديد.

جرأة الاعتراف بالخطأ وتحمّل عواقبه والاعتذار عنه فور وقوعه هي قوّة ذاتية لا تضاهيها قوّة، تشبه تمامًا قبول الطرف الآخر كما هو، بحسناته وعيوبه؛ لأنّها تخلّص الإنسان من الشعور بالذنب أو الضعف، وتسهّل عملية التسامح؛ بسبب التحرّر من مشاعر الغضب والتعنّت، وبذلك تصبح العلاقة مع الآخر (المهمّ) أقوى وأمتن، ومع الآخر (المختلف) أسهل وأكثر مرونة.
لذلك عندما يعترف المخطىء بخطأه مقصودًا كان أم عفويًا، ويعتذر عنه، وجب علينا قبول الاعتذار والتحلّي بثقافة التسامح والابتعاد عن (التقزيم) والتأنيب والتشريح واغتيال الشخصية، ومَن منّا بلا خطيئة؟! وتذكّروا أنّ لكُلّ جواد كبوة..

عندما يصل الشخص مرحلة التسامح، هذا يعني وصوله لمرحلة (التسامي)، والرضا عن الذات، وهي أعلى مراحل الصحّة النفسية للفرد وللمجتمع، ويتطلّب ذلك نسيان (السلوك الخاطىء) تمامًا، وعدم ذكره في كُلّ مناسبة؛ وإنّما استذكار السلوك والمواقف الجيّدة السابقة والحديثة على حدّ سواء، وذلك للسيطرة على عدم إثارة المشاعر السلبية مرّة أُخرى وتمتين العلاقة، سواء كانت العلاقة مع الوطن ومواطنيه، أو العلاقة الزوجية، أو العائلية، أو الصداقة، أو الزمالة، والأهمّ مع الآخر المختلف.
إنّ الصفح عن شخص ما على ارتكابه الإيذاء وجرح مشاعر الآخر، أو سوء المعاملة، لا يعني قبول ذلك السلوك أبدًا؛ وإنّما يعني بناء “مستقبل” قويّ من خلال التغلّب على أخطاء “الماضي”، فالتسامح لا يغيّر الماضي ولكنّه يُثري المستقبل.

وفي حال تكرار الخطأ نفسه فيجب عندها إعادة النظر في استحقاق ذلك الشخص للتسامح، حتّى لا يتحوّل الأمر إلى الاستغلال والتمادي في الأذى. وهنا لا يكون الخطأ من (ثقافة التسامح) نفسها؛ وإنّما قد يكون بسبب الأسلوب الذي تمّ استخدامه أو قلّة الحيطة والحذر، وهنا تفرض هذه الحالة تغيير الاستراتيجية المستخدمة لدرء تكرار الخطر والأذى، والحلّ يكون من خلال التدرّج بزيادة (المسافة الاجتماعية) مع الطرف الآخر، ووضع حواجز نفسية ومعنوية وسلوكية، “وتتزايد” المسافة الاجتماعية بالبُعد وربّما تنقطع نهائيًا “بتناقص” تجاوب الطرف الآخر وتماديه.

لا بدّ من لفت النظر هنا إلى نقطة هامّة جدًا، وهي عندما نواجه (الطرق المسدودة) باتّجاه ثقافة التسامح مع الآخر، الّذي لا يأبه بها مطلقًا، فلا مناص حينها من (الكيّ) وبتر العلاقة نهائيًا كآخر طرق العلاج، والكيّ سلوكيًا يعني هنا: “قطع العلاقة بشكل مطلق دون أدنى محاولة إلى النظر للوراء”.

التسامح لا يقتصر على مسامحة الآخر وإنّما يكون التسامح مع النفس أيضًا، على الرّغم أنّه أكثر صعوبة، فالشخص المتسامح مع نفسه يكون أكثر رضا وقناعة، وأقل إصابة بالمشاكل النفسية، وأكثر قدرة على التسامح مع الآخر.
التسامح إذًا ليس ثقافة “نقاء” فقط بل ثقافة “ذكاء” أيضًا، وهي جمع بين معدنين تمثّل ثروة عزيزة في النفس البشرية المتوازنة.
سامحوا وتسامحوا، ولا تكسروا الخواطر، فرصاصات الكلمات تسبّب جروحًا عميقة لا تندمل بسهولة، ورتق الفتق في القلوب صعب جدًا، ولا بدّ أن يترك آثارًا وخيمة لا تزول بسهولة..
واعلموا أنّه ليس هناك تسامح بدون حُبّ،،، ولا يمكن أن يوجد حُبّ بدون تسامح…

وحتّى نتقن ثقافة التسامح في ظل هذه الأجواء المشحونة بالكره والحقد والغضب، سيبقى لنا حديثٌ آخر وبقيّة… دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !